Jul 25, 2012

مدن الأئمة

مدن الأئمة

صفحة ترحل بين التاريخ والجغرافيا والحكايات

http://www.facebook.com/imamCities

Jun 28, 2012

رنا الجميعي تكتب عن الرئيس





رنا الجميعي تكتب عن الرئيس

من جود ريدزر :


تحكي الرواية عن محمد المحب لابن سينا، والذي ارتبط به منذ شاهده في حلم أتاه فيه اسم ابن سينا على طاولة عليها كتاب مفتوح، في السطر الأول منه : " إن الإنسان يجهل أكثر مما يعرف، وغاية المعرفة إفادة اليقين حتى يصل منه إلى مبدأ الوجود وعلله "، ومن بعدها صحبه ابن سينا في حياته حتى أنه جعل بريده الإليكتروني باسم ابن سينا حتى جاءه اليوم الذي استطاع فيه تقفي أثر ابن سينا في بلاده التي عاش بها في إيران من أصفهان إلى همذان.

حسبت الرواية تحكي عن عالم ابن سينا فقط، ولكنها جاءت محملة بأوجاعنا مكتملة، تساؤلات كثيرة تعج بها الرواية ليست فقط عن ابن سينا، فالرواية مزج واقعي تخيلي بين عالمين، استطاع العدوي أن يربط بينهما، فبين رحلة محمد للبحث عن ابن سينا في عصره وحكايته عن ورد جاريته التي أحبها، وعن ايران التي قالت عنها أمه حينما أراد السفر :

"ايران يا محمد، تذهب إلى الشيعة"

والتى غرق في حبها محمد بطل الرواية و منحته حياة جديدة كل يوم، في كل مكان ذهب إليه وصفه بعين غرقت في جمالها من متحف السجاد ومتحف طهران الوطني بطهران و زايندة رود "النهر المولود"، و قصر جهلستون أى قصر الأربعين عمود و حديقة الطيور بأصفهان .

بين صفحات الرواية يقلب العدوي ندوب العالم العربي، باحثُا و سائلًا ومتوجعًا و موجعًا

قد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة، أقصد سياسيًا، لم يهنأ العالم باستقرار لفترة طويلة، لم يهنأ أبدًا، وحتى أخلاقيًا فالخمر و بيوت الغناء والجواري كانت شيئًا ثابتًا في هذا المجتمع.

كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدون، ومع ذلك قامت في حضرتهم نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلمته إلى أوروبا في عصر النهضة.

نحن لا نختلف عن أسلافنا اليوم في هذه الأوضاع المضطربة، ولا في أن حولنا أخطارًا تحدق بنا، ولا في أننا مستهدفون، ولا في أننا اتجهنا للهو وتركنا صحيح الدين، كل ذلك يشبهوننا فيه ...

هناك شئ آخر فُقد فانقطعت صلتنا بالامتداد الحضاري الطبيعي لأي تجمع بشري، وانتهينا إلى ما نحن فيه، حتى تكاد صفة الانتساب لما هو عربي أن تكون سبة، أو وصمة تجمع كل المعاني الناقصة، كل ما أريده أن أضع يدي على هذا الشئ المفقود، فقط !"

أعتقد أن تلك الجملة كانت محور الرواية، البحث عن ذلك الشئ الذي فقدناه بمرور الوقت، ونتج عنه جراحنا الدائمة من ضياع الأندلس وفلسطين واحتلال العراق وحرب العراق وايران وحرب العراق و الكويت والجماعات المسلحة و غيرهم، حتى الخلافة التي قال عنها :



“الخلافة ليست أن يملك بلاد المسلمين رجلٌ واحد! .. الخلافة هي الحكم العادل ولو في البيت الصغير”

يقول العدوي في الرواية على لسان صديق البطل العراقي"عبد الرحمن" :

“الرواية هي من سينثر أفكارك على الوسادات ويزرعها في أحلام النائمين، ستكون على مقاعد الحافلات والقطارات، وفي أحاديث الناس في المطاعم والاستراحات والنوادي والحدائق، كل ما عليك هو أن تصنع بناء يغري الجميع بالدخول إلأيه واكتشافه، يأخذهم عن كل ماحولهم يسلكهم في نظامه ويفصلهم عن عالمهم.. ارسم عالمًا بالغ الدقة في التفاصيل حتى في ملمس الفرش والستائر ورائحة العطور ...دعهم يسيرون مبهورين به، الحكاية مبهرة دائمًا وإن كانت مكررة

هذا ما فعله العدوي بروايته، نثر خطوط حكايته على مدى صفحات الرواية، تمددت حكاياته عن ابن سينا بين شذرات قليلة في أولها إلي حكاية مكثفة في آخرها عنه وعن فارس المتقلبة شئونها و ورد جاريته التي تزوجها ، أما البداية فكانت رسم لعالمنا المعاصر و اشكالياتنا الدائمة دومًا و أبدًا.

أمدّ العدوي من روحه الجميلة و الأرقة روايته و شخصياته، و التى كان في الحوار معها الاجابة التي يرتكن إليها بطل الرواية و راويها، غادة الفتاة العراقية أو "الماهية" كما تعارفا في عالم الانترنت، كانت صوتُا للتفكر و البحث وراء الأسئلة العميقة، كنجيان الشيعي الذي ساعد محمد في رحلته وقال عنه : كنت دائما اسمع عن " اخوة الدين " ، لكنني لأول مرة أدركها صافية في نفسي ، عاطفة قوية، أكاد لا أخطئها، وتعجبت أن أشعر بها الآن وأنا إلى جوار شيعيّ ينبغي ألا أثق فيه" ، آواز الفتاة التركية شافعية المذهب التي تدرس بإيران و تحب أتاتورك كانت مرشدًا له ليرى جمال إيران، و ليحكي معها عن تركيا و ايران و شعر جلال الدين الرومي و الأكل الإيراني و صورة الشرق عند الغرب.

يمتلك العدوي لغة عميقة وبسيطة في آنٍ واحد، يفرد ألمه و أسئلته الحائرة أمامكـ ، تتوه و تتحير معه، في بحثه عن ألمه الخاص و العام، الحوار كان عنصرًا قويًا بالرواية، أشبه بكرة بنج بونج يتنقلها لاعبين فيما بينهما، وفي أغلب المواقف كان الحوار ثنائيًا، بين غادة ومحمد، بين كنجيان و محمد، و بين آواز ومحمد .

يتسرب الوجع و الجمال دفعة واحدة إلى القارئ، روح الشرق تتمثل بقوة في ايران، الله أورثنا جمال العالم ولكنه بهت في أعيننا بكثرة الحروب و الصراعات، رواية العدوي هي عالم جميل وواسع لن أقول يأخذك بعيدًا عن أوجاعنا و لكنه يطرق أوجاعنا بخفة ورفق وحسم أيضًا ، ويحاول أن يطببها و يضع يده عليها قليلًا لتستكين لمداواتها بعمق، قالتها "غادة" في الرواية حينما سألها محمد : أين هي خير أمة ؟ ، قالت له : لا تبحث عن خير أمة، كن أنت خير أمة.

سألت نفسي أين حكاية ابن سينا من كل هذا؟، حتى جاءت في آخرها وكأن العدوي يمهد لقارئه الطريق ويرصفه جيدًا حتى يتأهب في حضرة ابن سينا، جاء ابن سينا و جاءت معه ورد التي أنقذ أخيها من الاعدام فوهبته قلبها و اشتراها، ثم أصبحت جاريته التي سكن إليها وتزوجها في آخر عمره، كان ابن سينا ناطٌقًا للحق ليس بمنافق، و في فلسفته العميقة وفطرته التي جبلها الله عليه الخير كله، لم يمحو العدوي أخطاء ابن سينا في الرواية، ذكرها فقد كان كما أشار إليه العدوي محبًا للنساء والخمر، ولكنه أشار إليها هكذا ولم يخض فيها كثيرًا، كان وزيرًا لأمير الدولة الذي يستشيره في أحوال الرعية وكيفية بناء الدولة، و يرد عليه الأمير : الوزراء مثلك يحيون الممالك يا ابن سينا!

تلك الرواية تؤرق العقل و يتلقاها القلب خير لقيا فهي مكتوبة بفطرة سليمة، خليقة ببشر يبحثون عن المعنى و الحل

May 21, 2012

سناء ظبيان تكتب عن الرئيس

الرئيس" ..للعدوي

لم يسبق لي أن كتب عن رواية قرأتها  وهذا لا يعني أن ما قرأته كثير ..فالرواية في الغالب تمرر لك الفكرة محلاّة مجملة في شكل درامي يمر بسلسلة من الأحداث فتكون حاضر الذهن والعطافة معا ..ولعلي حين أبحث عن فكرة أحاول دائما تجنب العاطفة ..فلا أبحث عنها في رواية!

ببساطة استفزاز العاطفة يستفز فينا روح قوية للإيمان أو للكفر بهذه الفكرة وهذا أمر خطير إلى حد ما ما لم تكون متسلحا بقوة الفكر والقدرة على الفصل بينه وبين عاطفتك ووجدانك .

لعلي حين انتهيت من رواية الرئيس والتي شحنت وجداني وعاطفتي بعنف شعرت بانفعال كبير ..ولكنه ايجابي ..ليس من ضرورته أن أتخذ موقفا او أؤمن بشيء ما ولكن يملي علي بطريقة قسرية أن اتابع البحث علني أغلق تلك الآجابات المفتوحة والتي دلني فيها العدوي على اول الخيط ثم قال "تابعي بنفسك".

العدوي في كل سطور روايته متأهب جدا للحركة ..انه في حراك دائم ..نشط جدا في تقليب الناس والفكرة في تقليب الأزمنة والأمكنة ..مدهش حين يأخذه الوصف لمكان ما أو لشعور ما تخلله _على اعتبار انه الراوي_ يجعلك تعيش معه تلك الحالة ببراعة ..أنظر إليه حين يصف مخارج الحروف ..كيف تلفظ وكيف تقرأ أو ترسم ..أنظر إليه حين يدق وصفه للآخرين سواء أضمر هذا الوصف وجعله حديث بينه وبين ذاته في إشارة إلى "وجوده" الحقيقي في الرواية  أم جعلك انت تراه بطريقتك . أنظر إليه حين يتخطفك في الحوارات بين مختلف الشخصيات التي عرضها علينا من غادة هذه البداية الناضجة التي تطلبت أسئلة عميقة قوية تنتظر أن تدق الفأس حتى تستخرجها من صندوقها ..ولا يطرق الفأس إلا فكر شاب يأخذه بقوة
 ..
غادة هذه التي تأتي كالبدايات كبيرة كالماضي متسفزة للبحث ..هذه التي تأتي من عمق بغداد من عمق الحقيقة "والماهية"
غادة التي يسألها فلا تعطيه الإجابة ولكنها تدله كي يبحث وهو تتعبه روحه التواقة فيبدأ البحث بمعيتنا بقدر ما يستطيع ونقدر
.
" لقد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة،
أقصد سياسيا. لم يهنأ العالم باستقرار لفرتة طويلة، لم يهنأ أبدا، وحتى
أخلاقيا فالخمر وبيوت الغناء والجواري كانت شيئا ثابتا في هذا المجتمع..
كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدّون، ومع ذلك قامت في حضرتهم
نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلّمته إلى أوروبا
في عرص النهضة" ..

 انها الأسئلة التي تبحث في الأساس والسبب لا في العوارض والنتائج .."

«الخلافة ليست أن يحكم بلاد المسلمين  جميعها رجل واحد. لم يعد
هذا ممكنا، ولم يتحقق في الزمان إلا قليلا. الخلافةُ هي الحكم العادل ولو
في بيت صغير. " يرد بنا العدوي ان نخرج من الصندوق من نمطية التفكير المتصلب من محاولاتنا المستميتة في فرض انموذج واحد قسرا يجب ان يتكرر بصرف النظر عن ابجديات العصر ومتطلباته المختلفة .

إنه يأخذنا مع غادة هذه التي تبدو أكبر في ملامحها من عمرها ليصل أسوار القدس أو قريبا منها من جهة مصر الكنانة ..تلك الأرض الآمنة التي ستثور بعد قليل ثورة عز وحرية ..بغداد والقاهرة هاتان المدينتان اللتان تحملان ما تحملان من دلالات تاريخية عظيمة .. لنصل لمدينة نعجز عن ان نفسر هذه الهالة النورانية الحزينة ابدا والتي تحيطها منذ الأزل .."فلسطين"

قالت غادة: سبحان من علّق القلوب بهذه الأرض. «ائتوه فصلوا
فيه فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله

- هذه الأرض أيضا لغز من ألغازنا التي لا أفهمها
هكذا يخط عبارته الحمراء هذه ..القدس المدينة اللغز على مر العصور جميعا ..البوابة التي عبرت منها الأمم كافة ..أرض السلام والأنبياء والإرث العظيم ..!
هكذا يبدأ روايته بتلك الأسئلة التي تجعلك تفكر في حقيقة الأشياء لا في هيئتها وشكلها ..الماهية !
ثم يبدأ العدوي هذه الرحلة المطعمة بالحاضر والماضي بالتاريخ والمستقبل بالإرث والثقافة بالأدب والعلم بالجمال حيث يراه فهو أحق من يكتب عنه !

يسافر بنا لبلد الرئيس صديقه  يدخلنا عبر قاعات حياته المختلفة ..يبرع في ادخال الشخصيات وتبادلها بالحوار والنقاش والأفكار لا تمل ولا تضيع بل تفهم كل شخص ماذا اراد له ومنه ولك منه !

انا لا اعرفه ولا أعرف الاشكالية التي تدور حوله ..لكني شعرت أنني اريد أن اعرف من الذي أورثنا كل هذا الجمال الذي كشفت عنه هذه الرواية ..انه في ذات الوقت يتطرق لتلك الأسئلة حول الملل والأديان والمذاهب تلك التي نخاف من أن نسألها أو نعرف عنها لكنه فعلا كما ذكرت المقدمة يطرحها بكل ثقة وقوة انه حين يطأ أرض طهران يعرف ماذا يريد ..وحين يجلس بين سكانها يعرف ماذا يريد ..انه لا يتردد البتة ..في شغف لحرية الطرح وجرأة السؤال والفكرة .
في بحثه عن" ورد" الرئيس يلتقي بـ"ورده "!

انه يحضرها من هناك من اقصى التاريخ ليعيش بها ما يشبه ما عاشه ابن سينا مع ورد ..ورد هذه الفاتنة التي لا يغطي وجهها اصباغ ولا ألوان هذه التي عاشت _كما وقع في قلبي_ ما عاشته شيرين بطريقة ما فشيرين ما هي الا جزء من ورد ..وهذا ما كان يجعلها دائما تلجأ لورد وترتاح لها وتشعر بانها تحتوي غضبها وجموحها وكل اسئلتها ..اليقين الذي كان في داخل ورد سحر شيرين تلك الجارية التي كانت ناقمة على هذا الدين ..ورد التي كانت مجوسية ..والتي أصبحت تعيش بروح الاسلام ..وتعشّقته أكثر حين التقت بالرئيس ..ورد هذه هي الرواية الأجمل لابن سينا ..هذا الفيلسوف الكبير.

قبل أن يلملم اوراقه ويغادر طهران ويرمي بضع احجار في الماء الراكد في لقائه مع بوسنية عابرة تريد العمرة ..يحملك العدوى إلى أقصى أوج أحاديثه عن ابن سينا ..يبدأها بحوار مع امير الدولة في حديثه عن الرعية وكيف تبنى المدن يمرر لك بضع سنن لسياسة الرعية ..مرورا بطفولته التي تتفتق عبقرية ..انقاذ ورد له ..ثم فلسلفاته المستعلية عن سفاف الأمور ..فما أجمله حين يحدث ورد بروح الفيلسوف وروح العاشق معا .. وما أجمله حين يبتهل وقوفا او قعودا ..وكيف يتقن السؤال والدعاء ..
هكذا هم العلماء ..العظماء ..وهكذا هي حياتهم ..

اعترف بان الفضول انتابني كي اقرا اكثر عن ابن سينا اريد ان اعرفه اكثر لأربط تك الخيوط التي دلني عليها العدوي ..ولأحكم مسكها والعبور من خلالها إلى كل فكرة اثارتها الرواية في خيالي
"
الرئيس" رواية شابة في طرحها ورؤيتها في اسئلتها وتركيبتها شابة في تفاصيلها وحيوتها في مشاعرها ووجدانها شابّة بما يشبه هذا الربيع الدموي الصاخب الذي يعشيه العباد وتمر به البلاد ..شابة في املها وثقتها ان الغلبة لهذا الدين لحقيقته الأولى لفطرته النقية الصافية بعيدا عن كل أثر للبشر فيه جانب الصواب او لم يجانبه ولكنه لم يوافق خطوط زمانه .

محمد العدوي أيها "الصديق " شكرا لك

سناء ظبيان /قارئة

Mar 15, 2012

صالة الدخول || الرئيس



صالة الدخول
«وُرُود»


( بداية )
14 يونيو 2011

ندى نائمة على مقعدها، بين وسادةٍ صغيرة، وأرنبٍ من فرو أبيض. في کفي کفُها، يمنح نفسي رحابةً، تسعُ العالم الذي نحلق فوقه.
جلست هي إلى جواري، وأمها الدكتورة «رضوى» ناحية الممر.
في مطار القاهرة صباح اليوم كان لقاؤنا الأول.
مسرعة، تعرفني الدكتورة بنفسها:
- رضوى حسن، حدثتني غادة عنك كثيرا. معذرة لم أستطع أن أقابلك خلال الأيام الماضية، إجازتي في مصر كانت قصيرة. حتى غادة لم أقابلها إلا مرة واحدة، زارتني هي بعد وصولي بيومين.
- لا مشكلة، يكفيني اهتمامكما هذا.
- هذه ندى، ابنتي. سلمي على عمو يا ندى.
تفرد ذراعها الصغيرة عاليا، وتعيدها خلف رأسها، قبل أن تنزل بها إلى يدي، لتسلم سلاما يزهر صداقةً تجعلها جالسة على فخذي، متعلقة بنافذة الطائرة خلال الرحلة، رغم تحذير المضيفات لنا أثناء الإقلاع والهبوط.
- أمي تقول إن الطائرة عصفور كبير .. صحيح؟
- نعم.
- نحن في بطن العصفور؟
- نعم..
- وهذه النافذة هي عينه؟!
- نعم..
ألصقت وجهها بالزجاج، وبخار تنفسها متكاثف حول فمها.
- لا أرى شيئا!
مالت الطائرة إلى اليمين وهي تدور فانكشفت الأرض تحتنا من النافذة.
قلت: «انظري هكذا ترى العصافير العالم».
- ماذا ترى؟!
على الأرض كانت المربعات الخضراء تتداخل مع حدود الصحراء الواسعة الممتدة إلى الأفق، تقطعها طرق مرسومة كأنها أخاديد شقت بسكين، نترك القطع الخضراء القليلة خلفنا، ونستشرف جهة الصحراء التي تملؤها تلال صغيرة لها ظلال سوداء واسعة مفروشة على الأرض.
يظهر العالم مساحات ملونة من السماء.
تعتدل الطائرة وتحل السماء الزرقاء مكان الأرض الملونة.
أقول لندى:
- ترى عالـمًا ملونًا وجميلًا.. الطيور لا ترى سيئات العالم.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تسافر فيها ندى، هكذا قضى عليها اختلاف الأجناس، فأبوها من بلد، وأمها من بلد، وولدت هي في بلد غير بلد أبيها وأمها.. وبين هذه البلاد الثلاثة ترحل في بطن عصفورها الكبير كل عام.
في العراق على ضفة دجلة قبل أربع سنوات، بين التاريخ واللغة، ولدت أميرة صغيرة
من أميرات الحكايات الفارسية. عينها عربية واسعة، وشعرها كردي ناعم، ووجهها مصري فيه سمرة، ولها لسان ينطق بلغات ثلاث متشابكة.
لم تكفّ عن اللعب خلال ساعات انتظارنا في مطار دبي والتي أكملت الثمانية، تقف على سيْر المرور، ووجهها عكس اتجاه سيره، وتظل تحرك قدميها كأنها تمشي، وهي في مكانها لا تتحرك.
تترك السيّر، وتجلس قليلا تطالع مجلة معها، ثم تعود تقفز بين الحقائب والمسافرين المنتظرين. تدفع عربة صغيرة ينام عليها طفل فتتنبه لها أمه وتتابعها قليلا مبتسمة حتى إذا ابتعدت قامت إليها تعيدها، تعود وفي وجهها امتثال وهدوء مفاجئ لا أصل له.
حين ركبنا الطائرة من مطار دبي، كان مخزون طاقتها قد نفد، فنامت تاركة كفها في كفي.
تابعت خط سير الرحلة على الشاشة الصغيرة أمامي، كنا نطير بعد منتصف الليل، ولم يكن يظهر من النافذة إلا مصابيح بعيدة متلألئة أحيانا، وسواد متصل لا نهاية له أحيانا أخرى. عبرنا مياه الخليج وأصبحنا نطير فوق سلسلة جبال عالية، ثم أرض سهلة، ثم عادت الجبال من جديد، لتدور الطائرة حولها، وتستعد للهبوط.
في المطار، كنت أفتح عيني بجهد وأنا أبحث عن حقيبتي بين الحقائب المتتابعة على السير المتعرج کثعبان طويل.
أدقّقُ النظر وأكرر مواصفاتها لنفسي، لأتأكد أنّي أترجم بصورة صحيحة ما أراه حولي، وأني قد استيقظت فعلا بعد هذه الرحلة التي استغرقت عشرين ساعة كان أكثرها انتظارا في مطار دبي.
«زرقاء صغيرة عليها خطوط عشوائية غامقة، وذراعها مكسورة».
تخونني عيني عن متابعة الحقائب الخارجة من البوابة الصغيرة، وتنشغل بتأمل المطار الفسيح والوجوه المنتظرة من حولي.
وجوه متعبة من السفر، ومن السهر، ومن الانتظار، مثلي تماما. أميز منها وجهين رأيتهما في مطار القاهرة في الصباح، رجل في منتصف العمر، بيده نسخة إنجليزية من رواية ساحر الصحراء لباولو كويللو، كلما وقعت عيني عليه أجده منشغلا بالمطالعة فيها. وفتاة وجهها أوروبي، تغطي شعرها الأشقر، بغطاء منسدل على كتفيها، عرفت من جواز سفرها أنها بوسنية.
لا شيء يبدو غريبا، كل ما حولي مألوف كأنني أعرفه من قبل، حتى الوجوه، وأشكال الحروف على لوحات الإرشاد.
ربما هي المطارات المتشابهة في كل الدنيا. المسافرون والحقائب وموظفو الجوازات والعمالُ يحملونَ الأمتعة. تختلف اللافتات واللغات المكتوبة عليها، ويبقى المطار هو المطار. مكانٌ للفراق وللقاء.
لرهبة الغريب النازل، ولفرحة المغترب العائد.
مكان العبور، والدموع، واللامبالاة أيضا.
تصدمني حقيبة كبيرة يسحبها رجل من السيْر إلى عربة حقائبه. يربّت علي كتفي وهو يبتسم معتذرا، فأجيبه بالعربية سريعا: لا بأس.
ثم أتنبه إلى أنه لن يفهمني، فأكتفي بالابتسام وهو يدير عربته ويبتعد بها مسرعا، وأعود أنا إلى انتظار حقيبتي على السير من جديد.
تأتي الحقيبة على مهل، أراها خارجة من البوابة الصغيرة، تتعثر بين الحقائب الكبيرة التي حولها، أبتسم لها حين تصل، وآخذها لأقف في الطابور الخارج من ساحة الجمارك.
لا ضجيج، ولا نداءات، ولا شجار، لا شيء سوى أصوات الحقائب، ورنين الأختام، وتحيات قصيرة من رجال الجوازات.
ينظر الموظف إلى حقيبتي، ويطالع جواز السفر، ويقول لي بالإنجليزية: مرحبا بك.
نعبر البوابة إلى ساحة الوصول.
عند البوابة كان طابور المنتظرين خلف السور الصغير، ممسكين بباقات ورد يلوحون بها لأقاربهم وعلى وجوههم ابتسامات فرحة منهكة من السهر.
أقول للدكتورة رضوى:
«في طهران يُستقبل العائدون من السفر ببقات الورود».
كثيرة هي الورود المصفوفة في طابور المنتظرين، سأرى بعد خروجي من المطار بائعي الورد يعرضون باقاتهم على الداخلين، وسيظل الورد على امتداد الطريق حتى تخرج السيارة إلى طريق طهران.
تضحك وتقول: «جئت تنوي السحر هنا. فتخيلته في باقة ورد على باب المطار. اصبر حتى يكشف لك النهار سحر هذه المدينة كاملا، لا تفسد المفاجأة بسحر صغير تسربه إلى نفسك».
نجتاز بوابة مطار الإمام الخميني، ورائحة فجر المدينة النائمة تهب على وجهي. أملأ بها صدري، فأشعر ببهجة خفيفة تزيل آخر ما بقي لي من خوف الرحلة التي بدأتها بالأمس.
هل تسافر إلى إيران؟!
تقول أمي: ألم تجد مكانا آخر تذهب إليه؟
- وماذا أفعل ولم يجد ابن سينا مكانا آخر ينهي فيه حياته، سوى إيران!
أتابع السائقين على الرصيف المواجه للبوابة، سائقو الأجرة أيضا متشابهين كالمطارات، يعرفون كلمات كثيرة من لغات كثيرة، يقترحون أسماء فنادق بعينها، ويطلبون أجرا كبيرا، ويدعون عدم الفهم حين تجادلهم في الأجرة.
- گنجیان فی شیراز، وسيصل غدا إلى طهران، تبيت أنت معنا الليلة، وتتعرف عليه غدا ثم نبحث أمر إقامتك.
- أشكرك كثيرا، لدي حجز مسبق وأنا في القاهرة، ومعي اسم الفندق وعنوانه.
ركبت هي سيارة أجرة، وبقيت أنا أتفرس وجوه السائقين، ربما لأنه كان يقف وحده إلى جوار سيارته ساكتا لا يتخطف الناس من البوابة ذهبت إليه. دار حول السيارة وفتح لي الباب، ووضع الحقيبة في المقعد الخلفي.
بخليط اللغات أسأله عن اسمه.
- عباس. وأنت؟
- محمد.
- مسلم؟
ليس لإجابتي معنى بالتأكيد، وإن أجبته بلا، فلن يفهم المزاح في الإجابة.
- الحمد لله.
- ما بلدك؟
- مصر.. اسمها بالعربية والفارسية واحد.
يبتهج وجهه، وهو يقول: «مصر».. «مبارك».
يضحك وهو يشير بيده شارحا أنه رحل.
أبتسم له.
- نعم.. مبارك رحل.
- فندق عباسي جوود.. عرب كتير.. جوود.
- أريد فندقا تكلفته ليست مرتفعة.
يخرج هاتفه ويكتب عليه رقما، ويناوله لي..
أفهم أنها أجرة فندق عباسي هذا، 140 دولارا..
«لا كثير»!!
نحاذي مسجدا كبيرا، فيشير إلى يمين السيارة:
«حرم مطهر».. «مرقد خميني».
في ضوء الفجر الوديع، تظهر قباب المسجد اللامعة، ومآذنه الفضية. مسجد كبير واسع، ولوحة كبيرة على الطريق مكتوب عليها بحروف عربية «السلام عليك يا روح الله». وصورة الإمام الخميني رافعًا يديه بالدعاء، في وجهه تقطيبة غضب.
أردد بتلقائية دعاء المقابر:
«السلام عليكم دار قوم مؤمنين... اللهم لا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم».
يقطعني سؤال أمي من جديد:
«إلى بلاد الشيعة يا محمد!! ألم يكن أمامك شخص آخر لتكتب عنه، سافر إلى تركيا، اكتب عن ابن حزم واذهب إليه في إسبانيا.. إيران يا محمد!! تذهب إلى الشيعة!!».
أبتسم لها في خيالي، وأنا أقول: وأقرأ لهم دعاء المقابر الآن أيضا!
أسأل السائق قطعًا للوقت:
- جئتُ لأزور أصفهان.
- أصفهان جميل.
- كم المسافة إلى هناك.
- هذا طريق أصفهان.. أمامنا طهران، وفي آخر الطريق خلفنا تكون أصفهان، خمس ساعات تقريبا. وبيننا وبينها مدينة قم.
خلفي تكون أصفهان!!
أنظر من زجاج السيارة وأنا أتمنى لو أخرق الحجب، فأراها.
هل كنت أصدق حين كتبت منذ سنة على صفحتي في «فيس بوك»: «إلى أصفهان خذوني معكم»، أن تكون خلفي، ويكون بيني وبينها خمس ساعات بالسيارة!
لمن كتبت هذه العبارة، فصدقها وأخذني معه.
أصفهان التي لم تكن إلا حلما، لا أعرف من أين بدأ، لكنه حوّل حروف اسمها إلى نغم حلو كلما جرى على لساني. حلم أحببت معه الصاد والفاء والهاء والنون.
ينبهني صوت خفقان الأعلام على جانبي الطريق، إلى أننا وصلنا إلى طهران.
أعلام كثيرة على سوارٍ عالية، وأعلام متدلية من الجسور العابرة، وإلى اليسار يظهر برج آزادي شامخا مضاء في ظلمة المدينة.
أعرفه من صوره المشهورة في نشرات الأخبار.
يشير إليه السائق: هذا برج آزادي.
آزادي هي الحرية بالكردية. علّمنا السوريون هذه الكلمة منذ أسابيع، حين سموا بها جمعة من جمع ثورتهم التي بدأت.
نترك البرج سريعا، والسيارة تشق المدينة الصامتة.
«ورأيت طهران أول مرة برداء الفجر...».
الفجر يكسو المدن سكينة وهيْبة.
وطهران التي تلبس الآن ردائي الفجر، السكينة والهيبة. تكمل لي أدوات السحر الذي جئت من أجله.
صوت القرآن يأتي خافتا، تلاوة نقية للشيخ محمد صديق المنشاوي:
«أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولو الألباب...».
تنساب آيات سورة الرعد متتالية، وأنا أبحث عن المآذن في لوحة الفجر حولي فلا أجد الكثير منها.
- الشيعة يا محمد !!
- لقد كان هو أيضا شيعي!! ابن سينا، صديقي الذي قطعت لأجله هذه المسافات كان شيعيًّا. لم يخبرني بذلك حين أوحى إلي بلقائه في ذلك الحلم البعيد، لم يتحدث عن شيء.

كطيف خفيف أول الليل، همس باسمه في روحي!
من فضاء الحلم انفجرتْ نقطةٌ بيضاء، تناثرتْ خطوطًا متباعدة.
كأشعة الشمس افترقن إلى مدى.
وقبل أن تضيع الخطوط في البعدِ، انكسر كل اثنين متجاورين منها، ليلتقيا راسميْن رؤوس حراب صغيرة.
ثم افترقا.
ليلتقيا من جديد.
وهكذا .. كلما تباعد خطّان، تلاقى في البعد خطّان.
والنقاط المضيئة في آخر كل خط، تتحرك مسرعة، ترسم باللقاء والفراق نجوما مربعة، ومثمنة.
تنكسرُ وتتلوى، على إيقاعِ نايٍ بعيد.
.
.
تكتملُ دائرة الخطوطِ المتشابكة، وتُطْوَى.
قبةً واسعةً.
والنقاطُ المضيئةُ لا تقف.
تُسارعُ في رسم الجدران والأعمدة التي تحملها.
والناي البعيد يَرِقُّ لحنُه.
تكتملُ التيجان والمقرنصات والأعمدة المصقولة.
ويزيدُ مع الناي قانونٌ، وتكتسي الخطوطُ ألوانًا، وتصلُ النقاطُ إلى الأرض.
إيوانٌ كبير.
في وسطه بركةُ ماءٍ، يرنُّ صوتُه مع صوتِ النَّاي والقانون.
وفي الصدر لوحةٌ كبيرةٌ، عليها آيةٌ من القرآن فيها «قُلْ كلٌّ يعْمَلُ على شَاكِلَتِه».
ثلاثةُ جدرانٍ، والرابعُ مفتوحٌ على باحةٍ واسعةٍ تغسلها الشمس، في وسطها نافورة كبيرةٌ تصل إلى بركة الإيوان بنهرٍ من الرخام. وحولها أشجارٌ كثيفة وأزهار ملونة.
تِيجانُ الأعمدةِ منقوش فيها جزء من آية:
«كُنتم خيرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنّاس».
تتكرر بتناظر في كل ناحية.
يحزن الناي، ويخفت القانون والدُّف، وتُفتَح في آخِر الباحة بوابة كبيرة. في صدرها
رفوفٌ عليها كتبٌ مجلدة، فيها سكينةُ الكتب، ودفءُ رائحةِ الورق..
ويعود الوحي بلا صوت.
خفيفٌ ينسابُ في نفسي بلا مركز واضح:
«ابن سينا».
لا أحد في القاعة. إلا طاولة كبيرة في المنتصف، من خشب منقوش، نفس النجوم المتشابكة. تصنع دوائر مكتوب في كل دائرة اسم، وتاريخ، بخط فارسي منمق.
الأسماء تترا، والتواريخ تكبر ويجيء اسمه من جديد بين رقمين (370 – 432).
وأمامه كتابٌ مفتوحٌ، في السطرِ الأول منه:
«إن الإنسانَ يجهلُ أكثرَ مما يعرف، وغايةُ المعرفةِ إفادةٌ اليقين حتى يصل منه إلى مبدأ الوجود وعلله»..
وعلى هامش الكتاب عنوانه:
«النجاة».
* * *
تقفُ السيارة أمام فندق فاخر، يشير إليه السائق وهو يقول: فِرْدُوسِي. يكسر الفاء، ويسكن الراء ويضم الدال، وتكون الواو امتدادًا للدال المضمومة.
سأحب هذه الطريقة في نطق اسمه كثيرا، وأكرره فرحا كلما أوقفت سيارة أجرة توصلني إلى الميدان.
فِرْدُوسِي.
اسم يليق بشاعر.
لم يكن السائق قد فهم فيما يبدو رغبتي بفندق متوسط التكلفة، ولم أشأ أن أترك الفردوسي الذي جاءني مع انبلاج صبح طهران، فتركته يحمل حقيبتي إلى بهو الفندق، بعد أن تأكّد من وجود غرف متاحة.
أعطيته الأجرة مطويّة، فوضعها في جيبه كما هي ولم ينظر فيها.
شكرني وانصرف، وعدت أنا أملأ بطاقة الفندق، وكلُّ أمَلي فراشٌ ألقي عليه جسدي فأنام.
خلف رجل الاستعلامات طاولة مستديرة عليها أعلام صغيرة لدول العالم، تشاغلت بالبحث عن علم مصر بينها وهو ينهي إجراءات حجز الغرفة. لم يكن العلم موجودا، ربما هو في الجهة الخلفية التي لا تظهر لي.
سألته إن كان علم مصر موجودًا هنا، فابتسم وهو يهز رأسه نافيا.
مدَّ لي يده ببطاقة الغرفة، وهو يشير إلى عاملٍ كان يقفُ ساكنًا منذ دخلت إلى الفندق، فيحمل الحقيبة ويشير إلى جهة المصعد.
في انتظار المصعد كان الفردوسي ينظر إلينا من تمثاله الصغير عند السلم، جبينه مقطب وعلى وجهه إرهاق السنين، بيده اليمنى كتاب كبير، واليسرى مفرودة كأنما يهم بالمشي. وعند قدميه يجلس طفل صغير عاري الجسد، في عينيه رهبة، وشغف.

* * *

Mar 1, 2012



رواية " الرئيس " عمل فني كبير ، لكاتب وُلد كبيرا ، فيها عذوبة اللغة المحلقة ، وشعرية التأمل ، وجدية البحث ، وخصوبة الخيال ، فهي نتاج موهبة حقيقية ، فيها جرأة فكرية ، ونبل إنساني ، ومزج مقتدر بين ما كان وما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، في رحلة بديعة لتعقب السيرة الباهرة لابن سينا ، من القاهرة لطهران ، ومن زمن الكاتب لزمن المكتوب عنه ، ولم يكن الكاتب فيها هيابا أبدا برغم رقة عوده ورهافة مشاعره ، فاقتحم أفكارا إشكالية كبرى بطمأنينة قلب سليم . إنها الموهبة الأصيلة ، والحساسية العالية ، والجد الثقافي ، والإخلاص لجلال الحياة ، وهذه كلها " فيما أتصور " كيمياء " الكُتَّاب الشباب الذين يولدون كِبارا .

محمد المخزنجي

تصدر خلال هذا الشهر بإذن الله
عن دار كليم للنشر والتوزيع

Feb 10, 2012

حلب



حلب
عدت أبحث في أوراقي القديمة عن ذلك الدَّرَج الذي صعدناه يوما معا.
انكسر كعب حذائك قبل أن ندخل باب القاعة، فضحكتِ .. قلتُ: هل يزور أحد قاعة أنشد فيها المتنبي شعره بحذاء له كعب عال ؟ .. وجهك الضاحك اندهش .. قلتِ : عادي .. ممكن ينكسر كمان ونحنا باللوفر .. أكيد كتير انكسر كعبهن باللوفر .. بيزعل دافنشي شي اذا انكسر كعبي باللوفر يعني ..
تركتك في القلعة ونزلت أشتري حذاءا نكمل به اليوم ..
"هاد حجَر ..حجَر .. عمره شي كم مية سنة .. إذا بدك تمشي عليه لازم تدق على الأرض وتسمع صوته .. يا لطيف حدا بيمشي في قلعة تاريخية بحفّاية."
- حفاية !!
- هيْ .. اللي جايبتها اسمها حفاية بالنابلسي.
- والله.
- ايه .. والله ..
- لم أجد سواه .. ثم هذا الحجر الذي عمره "شي كم مية سنة" مشت عليه أمم الأرض كلها .. الحيثيون والرومان والعرب.. وسيفُ الدولة .. يستحق أن نتحسسه برفق ..
- شو يعني "سيفُ الدولة" .. ما كان شيعي هاد "السيف".
- كأصحابكم هنا الآن ..
- وطي صوتك ما بترجع إذا سمعوك .. هادا "مش" شيعي .. هاد جن متل ابوه .. شو دينو للجن؟
- لا أعرف ..
- أحسن .. خليك ما بتعرف ..
درنا في القلعة، بين قاعات القصر الملكي، والحمامات ونوافير المياه ثم خرجنا إلى جامع الخليل إبراهيم والجامع الكبير .. ليس بين الجامعين فرق كبير في الزمن، ستون عاما بين نور الدين زنكي، وغازي بن صلاح الدين، تسيرين مسرعة وأنا أريد أن أتمهل .. أقرأ النقوش وأمر بيدي على الأحجار أتحسسها ..
- شو بتعمل؟
- أستنطق الحجر بما يعرف من حكايات.
- ايه شيل ايدك .. ما رح تعرف تنام اذا جاوبك.
لم يجب الحجر، ورغم ذلك لم أعد أعرف أن أنام.
" لأنك لم تصدقني .. الآن تسربت الحكايات من جدران القلعة إلى الشوارع، دوت الأصوات السجينة في سراديبها، وصيحات الجند المعلقة بأبراجها في حارات المدينة .. كل نظرة فزع حفظتها القلعة في أيام الحصار أو الحرب نشرتها على بيوت حلب .. أصبحت المدينة كلها قلعةً لا تعلم إن كانت حصنا أم سجنا"
* * *
قلتِ: لكْ الله يسامحكن .. هلأ بيجي السوريين ويعملوا متل ما عملتوا ..
قلتُ: خيرٌ وبركة ..
قلتِ: خير .. قبله كتير دم ..
قلتُ: ليس شيء بلا ثمن .. حتى تحكي لأبنائك شيئا يفخرون به.
قلتِ: "لو ضل عندي ولاد لأحكيلن .. يا سيدي .. ما بدي احكي لولادي إني كنت مناضلة. بيكفي احكيلن حكايات ايسوب .. شوبو ايسوب ..
بالصف عندي طالب عمره سبع سنين .. اذا طليت بعيونو كأنه عمره شي سبعين سنة .. سألني: آنسة لكن ليش كل يوم بحارتنا بيقطعو الطريق وبيطلعو يصيحو حرية؟ ... كذبت عليه .. بيجي يوم يعرف انه آنسته اللي بيصدقها كذبت عليه .. بس كمان رح يعرف انه نظرة عينيه هي اللي خلت آنسته تكذب عليه ..
ما عاد يلعب الطلاب بالباحة عسكر وحرامية .. صاروا يلعبوا شبيحة ومندسين ..
لك تعبت من الدم ..
والله تعبت .. "


Jan 12, 2012

الإمام الغائب

الإمام الغائب

1-3

منذ غاب "عاشور الناجي" في الحرافيش غيبته الكبرى، وتولى الفتونة بعده ابنه "شمس الدين" ثم سليمان بن شمس الدين، ولم أستطيع أن أمنع نفسي من استحضار ذكرى الإمام الغائب عند الشيعة وانتظارهم إياه ليبسط العدل، أو انتظار المهدي الذي سيملأ الدنيا عدلا كما ملئت ظلما عند السنة، وإن كان المهدي المنتظر عند أهل السنة لا يشهد انتظاره احتفاء واحتفالا كبيرين، كما هما لولي العصر وإمام الزمان عند الشيعة، لكنها على أي حال جزء أصيل في تكوين الثقافة الشعبية الإسلامية أيا كانت مدرستها.

زاد هذا الارتباط قوة اختيارُ نجيب محفوظ للمكان حارةً في "الحسين"، ثم أبياتا من ديوان حافظ جعلها أناشيد التكية، ووزعها على امتداد الملحمة الطويلة التي استغرقت عشر حكايات هي ما يقترب من عشرة أجيال كاملة.

عشرة أجيال !!

لا يصح العدد لو صح التوقع !!

ينبغي أن تكون الأجيال اثنا عشر جيلا .. هذا ما كنت سأفعله لو كتبت أنا الحرافيش ..

عدت أعدّ الأجيال التي مرت على سلالة عاشور، فكانت سبعة توقفت عند شمس الدين بن عزيز الذي توفي في الشهر الثامن من العمر، ثم تمت الأجيال الاثني عشر من ذرية زهيرة وزينات ونور الصباح حتى وصلت لعاشور الناجي الذي حمل الاسم والمعنى وجمع الحرافيش وفُتِح لهم باب التكية وخرج لهم منه نور وتوت وأناشيد.

الرقمين سبعة واثني عشر هم الأئمة عند الإسماعيليين الذين حكموا مصر من الشيعة، وعند الاثني عشرية الباقية إلى اليوم في إيران، وهما أكبر فرقتين شيعيتين وبينهما اختلاف يصل إلى العداوة أحيانا.

ما يهمني من هذه الفكرة دون الاستغراق في التأويل أمرين، الأول أن "نجيب محفوظ" بنى روايته على فكرة من خواص الثقافة الإسلامية الشعبية، وانتصر لها أيضا حين جعل العدل متحقق على يد عاشور الناجي الأخير، والثاني أنها جعلت زمان الرواية يتعدى القرون الثلاثة التي استغرقتها أحداثها، إلى قرون أبعد من ذلك بكثير.

وإذا كانت الملحمة قد اجتهدت في تجريد رحلة طويلة لفكرة ومعنى في عقل جماعة محدودة "متغيرة" هم أهل الحارة، فإنها بهذه الرمزية قد وسعت هذه الجماعة في الزمن "وخصصتها" في الحدود، ثم هي مع هذا التجريد تضع الإيمان مكونا راسخا في عقل هذه الجماعة، به تعرف الخير والشر وتقيس الأمور، حين تعتمد الوحي والإلهام والرؤيا (التي اختص بها الصالحون من آل الناجي) دليلا ومرشدا، وتعتمد أناشيد التكية ( التي هي أجزاء من ديوان حافظ شيرازي في العشق الإلهي) قبلة ومنارة تؤنس الساري من هذه السلالة.

بطريقة أخرى أقول إن بطل "الحرافيش" الذي سرنا نرصد تغيره وحركته مع الزمن لم يكن سوى "عقل الجماعة المؤمنة" ومعاني الأشياء فيه، وما يتأثر به هذا العقل من تفاصيل حياة الأشخاص الذين يملؤون فراغ الزمن بأعمارهم، وآمالهم، ورغباتهم.

* * *

كم مرة فنيت الحارة وتغير الناس فيها، كم جيل مر حتى خرج عاشور الأخير .. كم مرة فكر الناس فيما يفقدونه من أمان وعدل .. كم مرة ترحم الناس على عهد عاشور الناجي .. كم وكم .. الجواب كثير، بعدد الأجيال في الرواية على الحقيقة والرمز..

ثم ألم يكن بمقدور الناس اختصار هذا الزمن؟ ..

لعل هناك جوابا سهلا وجاهزا: "لو أنهم ثاروا مبكرين .. أو لو أنهم فعلوا وفعلوا" .. وأي جواب سهل وجاهز هو جواب ناقص بالضرورة .. لأن مثل هذا الجواب يسقط أهمية الزمن الذي هو أداة فاعلة في معادلات الحياة كلها.

الإنسان له عمر مقسوم بين حياته وحياة جماعته التي تحتويه، سواء تعمّد ذلك أو غفل عنه، رضي أو لم يرض فهو في النهاية موزع بين هذين، وبقدر ما يُفْرِغ من حياته "الصالحة" في عمر جماعته، يكون صلاح هذه الجماعة وفسادها.

عقل الجماعة في الرواية ليس هي عقل "العامة والحرافيش" وحدهم، ولا هو عقل "الفتوات" وحدهم، ولا "الخواص" أو "النبلاء" بل هي مجموع هؤلاء جميعا.

والقيمة التي تحركت إليها هذه الرحلة لم تكن الانتصار للعامة على الخاصة ولا للحرافيش على السادة، بل كانت الانتصار للعدل على كل هؤلاء: "إني أحب العدل أكثر مما أحب الحرافيش وأكثر مما أكره الأعيان".

ثم "عقل هذه الجماعة" ليس سوى نتاج تتابع الأجيال بعضها فوق بعض. فالأجيال التي اكتوت بالظلم في الملحمة كثيرة، وكل جيل لم يخل من محاولة أو محاولات لاستعادة العدل المفقود بصورة ما، لكنها كانت تبوء بالفشل لأسباب كثيرة .. تتراكم الأسباب، سبباً تلو سبب، وتتراكم التجارب، تجربةً تلو تجربة .. وترحل تلك الأجيال التي جربت والتي تربت والتي نقلت - بطبيعة الحال في عالم الأحياء - علامات الحياة التي دُمغت بها إلى جيل جديد فتِيّ مفكر، فهم الرسالة وأحسن قراءة سيرة "آل الناجي" كاملة .. فلم يخطئ أخطاءهم .. حتى تم على يديه ما لم يتم على يدي جده الأول وانفتح لهم باب التكية لتختم الرواية بعبارتها البديعة: " لا تحزن .. فقد ينفتح الباب يوماً للذين يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة."

* * *

حين نعرف معنى الأبيات التي اختارها محفوظ ليبدأ بها أناشيده نضع أيدينا على أولى خطوط التجريد التي رسمها لنـا .. تقول الأبيات:

اي فروغ ماه حسن از روي رخشان شما

ابـروي خـوبي از چـاه رنخـسـدان شما

وترجمتها: يا ضوء القمر الجميل من نورك كانت سمعة البئر الطيبة ..

Nov 12, 2011

اختراع


اختراع

- عاوز أوريك حاجة يا مِس؟

- بعد الحصة.

- حاضر.

قالها بهدوء، وعاد إلى مكانه، والتفتُّ أنا أكتب عناوين الدرس على السبورة تاركة أصواتهم تخفت شيئا فشيئا كأصوات كرات الزجاج على أرض صلبة. تلمس أذني طرق الكتب والأقلام على الطاولات، وهمس المواعيد، وتهديدات المعارك.

- اسكت بقى .. المس هتزعق .. شكلها مضايق النهاردة.

- تلاقي جوزها مزعلها.

- مش متجوزة.

- يبقى علشان كدة ..

عنوان الدرس عن خواص الضوء، سأفاجئهم بصورة شمعة مقلوبة على الجدار، تأكدت أنها تظهر قبل الحصة، وضعت الشمعة في صندوق به ثقب صغير، وأطفأت النور، جاءت صورتها واضحة من أول مرة. لم أحضر قرص الألوان معي، محرِّكُه معطل ولا يدور بالسرعة التي تكفي لتجعل الألوان تتحول إلى الأبيض، سأحاول أن أصلحه وأحضره في مرة أخرى.

أدرت وجهي إليهم، وقد سكن كل شيء. تتطلع عيونهم الصغيرة إلي، وأنا أدير النظر في وجوههم. لم يتغيب منهم أحد، "سعد وحمزة" لم يخرجا الكتاب، "هديل" تركت خصلات شعرها على جبينها مع أنني نبهتها أن ترفعها في الحصة الماضية، وسندس ستنام بعد خمس دقائق.

بدأت الشرح، وأنا أتابع "عليّ". كان قلقا لا يبدو عليه الانتباه. يضع يديه في درج الطاولة أكثر الوقت ثابتتان لا تتحركان.

لم يشارك بتعليقاته التي تخرج بتلقائية دائما على كل شيء يحدث في الحصة. أمنعه من الكلام بغير إذن، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي الإعجاب بسرعة بديهته.

جاءت التجربة، فأطفأت النور، وأشعلت الشمعة.

كالعادة لم يظهر شيء على الجدار. تخذلني هذه التجارب دائما أمام الطلبة، وحين كنت طالبة كانت تخذل المدرسين أيضا.

حركت الشمعة أُقرَبها من الثقب، فلم تظهر، كان الضوء يقع على الجدار دائرة واسعة .. قربتها أكثر وأكثر حتى ظهرت مقلوبة ..

صفقوا جميعا، وصفروا ، ومدّت عبير الجالسة عند الجدار يدها تمسك الشمعة المقلوبة.

صوت وليد يحذرها:

- حاسبي .. هتحرق إيدك ..

ضحكوا .. وأضأت نور الفصل.

لم يبدو على عليّ أنه انتبه لما حدث، بقيت يديه معلقتين بالدُّرج وهو على وجومه الأول.

بعد الحصة، انتظرت ولم أنصرف بسرعة .. جاء، وبيده مجموعة من أسلاك نحاس متشابكة، وضعها أمامي على وجلٍ، كان قد شكّلها على هيئة سيارة صغيرة.

سألته: ايه دا يا علي؟

- عربية .. أنا عملتها .. بتمشي ببطارية الموبايل .. شوفي ..

أخرج من كيس معه عجلات صغيرة ركبها، وبطارية وسلكين، وصلهما بالسيارة.

لم تتحرك السيارة.

عاد يغير موضع السلكين، ويجرب من جديد. فلم تتحرك أيضا.

زمِّ شفتيه، وقطب جبينه الصغير ..

- كانت شغالة !!

حاولت ألا أبتسم وأنا ألحظ توتره، وإصراره الذي كنت أعاني منهما قبل قليل.

احمرّ وجهه، وهو يعيد مراجعة الأسلاك مرة ثانية.

لا شيء ..

تنهد، وعض بأسنانه شفته العليا، قبل أن يهتف: لحظة ..

بحماس أخرج هاتفه من جيبه، رفع غطاءه، ونزع بطاريته، ثم وصلها مكان البطارية الأولى، فأزّ محرك السيارة، وانطلقت.

- أهي .. اشتغلت يا مس.. كانت فاضية ومخدتش بالي ..

كان قصيرا، وكنت واقفة، فألقى رأسه إلى الخلف، ينظر إلى وجهي ليرى كيف تلقيت عمله .. عينيه فرحتين .. جوهرتين في سماء صافة .. بسطت وجهي، فانبسط وجهه، ابتسمت فابتسم .. ضحكت فرنت ضحكته تملأ روحي ..

- شاطر يا علي.

Nov 9, 2011

هوس البرلمان


هوس البرلمان

حين يدور الحديث بيننا نحن الأطباء عن سبب اختيارنا لما نحن فيه، يظل الكلام يتقلب في أماكن كثيرة لا مستقر لها. فبين من يعرف في الحقيقة أسبابا ومن وفق أوضاعه وصنع أسبابا تبقيه على قيد الحياة، ومن لم يفعل هذا ولا ذلك فهو قلق لا يسكن، يصبح من العسير الوصول إلى جملة واحدة محكمة تعبر عن هذا العالم الواسع، وأهم من ذلك يصبح من العسير الوصول لحلٍّ لمشاكله التي تظهر متتابعة كثقوب في برميل عجوز متهالك.

المشكلة هنا في الحقيقة معرفية قبل أي شيء آخر، وعلاجها لا يكون إلا معرفيا قبل أي إجراء آخر أيضا، لكن النقطة التي تبرز أثناء ذلك هي أن هذه المشاكل المركبة، قد بلغ بعضها حد الخطر الذي يُعَدُّ معها الانتظار لتظهر نتائج العلاج المعرفي سيرا إلى هاوية محققة، ما يجعل علاج العرض بأهمية علاج المرض.

* * *

إزاء نظام التعليم الذي ابتلي به أكثرنا، كان الناس على ثلاثة أنواع، فريق احترف "جمع الدرجات" ولم يهتم بغير ذلك، إما لقصور طاقته، أو لأنه اعتبر نفسه " يعرف من أين تؤكل الكتف"، وفريق كانت له قدرات عقلية راقية، لكنه لعوب، لا يبذل جهدا، إما كسلا، أو لضعف أدواته على التكيف مع بيئة يرفض عقله قبول عبث كثير مما فيها، وهؤلاء برع أكثرهم حين وضعوا في بيئات مغايرة، توافق طباعهم. وفريق كان وسطا بينهما، جمع آليات "جمع الدرجات"، إلى صفاء العقل، وصحة الفهم، فنجح هنا وبرع هناك.

تفرض إذا بعض البيئات، أو بعض الأوقات على الناس ظروفا، تجعل أداءهم يشبه الأداء العام في ظاهره لا امتياز فيه، لكنها تحتفظ لهم بسر النجاح الذي هو عدم خلط الغايات بالوسائل، واستعمال كل شيء بما هو له وبما يفيد.

* * *

الآن أجد تشابها كبيرا بين ما نحن مقدمون عليه، وبين سلوك الأهالي والطلبة إذا اقتربت امتحانات الثانوية العامة. ففي نظام حوّل كل شيء إلى آلة تدور لا وقت فيها للتفكير، ولا للنظر إلى النفس، يتحول الجميع دون وعي إلى سيور وتروس تدور خوفا من أو تتوقف فتتحطم نحو هدف واحدة فقط هو "جمع أكثر النقاط" حتى تصبح كل الخيارات متاحة يُتحرك فيها بحرية.

لا ينتبه أحد أنه وخلال هذا الدوران، تكون النفس قد بدأت تُغيِّر بالفعل معاني الأشياء فيها، فتضع "الغايات" موضع "الوسائل" .. حتى إذا توقفت وكان قرار كل شيء في غير موضعه، وبدأت تظهر المشاكل والعيوب، داروا من جديد يحلون جزءا جزءا، وكلها فروع والأصل غائب لا يراه أحد.

مجلس الشعب لا ينشئ مجتمعا قويا، لكن المجتمع القوي يفرز مجلسا قويا. قد تكون العلاقة في الحقيقة تبادلية تسير في طرفين، لكن الخطوة الأولى هي من المجتمع إلى المجلس وليس العكس، تماما كما يحدث في بورصة الأوراق المالية، ما لم تكن تدعمها أسواق حقيقية قوية، تصبح البورصة صالة قمار واسعة.

لقد انتهينا اليوم إلى حال تحتم علينا ضرورة الانتهاء من كل هذه الأشياء بسرعة حتى تبدأ الحياة دورتها؛ المجلس والدستور، واختيار الرئيس، تماما كما تم في وعي مجتمعنا خلال عقود طويلة تعليق "مستقبل" الفرد بأدائه في امتحانات الثانوية العامة، وبقدرته على أن "يجمع" أكثر ما يطيق، وهو ما ينقصه الكثير ليصبح قولا صحيحا في موضع صحيح.

وأمام هذا التعليق، دارت كل المحركات، حتى علا صوتها فغطى كل شيء سواها. وسيعلو أكثر وأكثر، وخلال ذلك وجب علينا جميعا أن تنفر من كل فرقة طائفة، تتعلم ما حولها، دون أن تدور دوران الجميع، وتبدأ هي علاج المرض في نفس اللحظة التي بدأنا فيها علاج العرض، وإلا كنا كمن ثقب "خراجا" أقلقه ألمه، فلما خرج منه بعض الصديد، زال الألم فنسي أن الالتهاب باق، و"الخراج" مزمن.

أخشى أن يتحول هوس "البرلمان" إلى هوس "كليات القمة" .. فيصبح الطموح السياسي غاية لها "مبررات نظرية منطقية" وليس لها في نفس "الساعي المهووس بها" ما يؤهله لحمل تبعاتها .. فننتهي إلى التكدس الذي يشل حركة الجميع "أهلها الحقيقيين والمهوسون بها".

أخيرا: ليخطو كل من خطا عشر خطوات إلى البرلمان خطوةً واحدة إلى الحياة السوية، فعمر البرلمان خمس سنوات والحياة طويلة، وهو وسيلة والحياة السوية غاية، والعين لا تعلو على الحاجب.

Aug 2, 2011

الأسد نائما



العربية سليمة .. بس كل حاجة فيها لوحدها

الأسد نائما

قال كليلة: واضرب لي يا دمنة مثل الذين كانوا يدا فصاروا أيدي، وكانوا رأيا فصاروا آراء إلى أي شيء انتهوا بعد ذلك.

قال دمنة: زعموا أن أسدا كان ينام بباب غزلان نزلت موضعا من الأرض تريد أن تبني فيها مملكتها الجديدة، وكانوا يخشونه، وهو ساكت عنهم. فقالت طائفة منهم: إنه إن سكت عنا اليوم فإنما سكت حيلة، وسينقلب علينا في يوم قريب، فليست عادة الأسود إلا الفتك.

وقالت طائفة أخرى: بل هو يخيف أعداءنا من الغرباء فلا يقربوننا، ثم هو لا يؤذينا، ونحن لازلنا نبني مملكتنا، وليس لنا سفراء ولا خفراء، فلو تركناه يحرسنا، وانشغلنا بتقوية دفاعنا، كان أجدى لنا وأقوم، وإن كان قد سكت حيلة، فنحن لن نعدم معه الحيلة.

وبدأت الغزلان ترتب حياتها، وترسم حدودها، تقيم الخدمة على منابع الماء، وعلى المراعي، مجتهدة في أن تكتمل عدتها سريعا، حتى تفوت الفرصة على حيلة الأسد النائم.

وكان في الغابة ثعلب عجوز، لم تعد به طاقة على المطاردة والاصطياد، والبحث عن طعامه وليس له من يخدمه، فقال لهم: إنكم إن بنيتم ما بنيتم، وأمّنتم ما أمنتم، جاء الأسد فمد ذراعه الغشيم، فضربه بيده، فانهار، فلو جمعتم يدكم أولا لتخرجوه، ثم تبنوا بناءكم آمنين مطمئنين لكان خيرا لكم.

فتفجر الخوف في نفوس الغزلان التي كانت خائفة من جديد، وتداولوا أمرهم بينهم منفردين.

قالوا: قد صدقنا الثعلب، وهو ناصح ولا مصلحة له. وإن هؤلاء الذين يبنون من قومنا، غافلين عما سيحدث لهم، ونحن نحميهم ونحمي بناءهم.

وقالت غزالة أخرى: إننا لا نملك إلا عصا واحدة، فلو ضربنا بها الأسد، وقتلناه استرحنا منه، وهو نائم، فلن يرانا، وما هي إلا ضربة قوية تقتله.

قالت غزالة صغيرة: فماذا لو لم تقتله العصا، وصحا. إنه لا يصحو حينها إلا ثائرا، وسواء كان سكوته حيلة أو أدبا، فإن غضبه لن يكون إلا فتكا، فالأسود غضبها ومزاحها قاتل بطبعه، وسنكون قد فتحنا بابا لا نستطيع أن نغلقه.

لم ترض الغزالة الصغيرة عما يحدث فوشت بهم لبقية قومها، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، بل امتد الحديث إلى أن "منكم من يشارك الأسد حيلته ليؤمن نفسه، ونحن لن نخاطر بمستقبل الغزلان، لأجل منافقين منا يداهنون عدونا".

وأصبح الغزلان وفي نفوسهم من نفوسهم ريبة وشك، وشاع بينهم حديث الثعلب، فرد المتهمون بالتحايل مع الأسد، باتهام إخوانهم بالتحايل مع الثعلب، كل ذلك والأسد نائما على بابهم.

ثم حدث أن تجمعت طائفة من الغزلان، وعهدت بالعصا لأقواها، ورسموا الخطة لضرب الأسد مفاجأة فينتهي أمره، وتنقطع الفتنة، وتصفو النفوس حين يعلم أهلهم صفاء نيتهم وإخلاصهم، ويروا ما سيعود على الملكة من أمن ورخاء.

ولما اقتربت الغزالة من الأسد، كان الثعلب قد أسر إلى بعوضة يعرفها أن تدخل في أذن الأسد فتزعجه حتى يستيقظ.

صحا والمسكين يرفع العصا ليضربه، فرآه. فمد يده الغاشمة تنشب أظفارها في جسده. فتنادت الغزلان أنقذوه، فانقسموا فئة تقول قد خالف أمرنا، فليس علينا حمايته، وفئة تقول لو لم ننقذه، انتهى أمرنا واستدار الأسد إلينا.

وقد كان يا دمنة أن البعوضة لم تخرج من أذن الأسد، فظل قلقا، مهتاجا لا يستكين، يضرب بيده فيمن حوله من الغزلان، والثعب العجوز يرقب من تجرح منهن فيجهز عليها، وتكون طعامه دون جهد.

فانظر كيف يكون الفوز للذكاء والحيلة، ولا يكون للقوة، أو لصفاء النية .


May 30, 2011

العربية سليمة .. بس كل حاجة فيها لوحدها



العربية سليمة .. بس كل حاجة فيها لوحدها


لا يحزنني كثيرا أداء الإعلام هذه الأيام أيا كان توجهه ورؤيته وانتماؤه، ليس إيمانا مني بحرية القول والتعبير، بقدر ما هو تسليم بما لن يتغير مهما تغيرت الأيام والأحوال والناس. ولهذا التسليم شواهده التي تجعله يقينا ثابتا بالنسبة إليّ، منذ كان النحات الفرعوني يكتب ما يمليه عليه سيده صادقا أو كاذبا، يحكي شرفه وفضله وانتصاراته، إلى أن مدح الشاعر العربي حاكمه أو قومه بكل صفة سماوية، وهجا أعداءه أو أعداءهم بكل دنية أرضية، ثم إلى كتب التاريخ على امتداد العالم، وما فيها من روايات متعارضة في كل حدث أيا كان.

ولأن التشابه بين الناس قائم حد التناسخ، في الغايات والغرائز والحسنات والعيوب، فمثل هذا الأداء سيظل لازمة البشر ما امتد بهم الزمان، ولن يتغير لا اليوم ولا غدا ، لا عندنا ولا عند غيرنا ، إلا أن تكون في الدنيا مدينة الفلاسفة الفاضلة، ولن تكون !

ما يحزنني هو تلقينا نحن لمثل هذا الأداء، وتعاملنا معه.

وأقصد بـ "نحن" هنا فئة محدودة ضيقة، هي تلك التي تتقاطع معي في نطاق المشاركة في الآراء، على صفحة "فيس بوك". وهذه الفئة لها ملامح لعل أبرزها أنها تستطيع بلا جهد كبير، أن تستقصي أصل خبر من الأخبار، ثم هي تستطيع بلا جهد أيضا أن تجمع سلسلة الأخبار لتكون صورة كاملة.

ونحن نعلم أنه لا الصورة تصنع بالخبر الواحد المقطوع ولو كان صحيحا، كما أن الفتوى في الفقه لا تبنى على الحديث الواحد ولو كان صحيحا قوي السند، إذ لابد لكليهما من الجمع إلى نسيج الأخبار، أو الأحاديث، ثم الخضوع لقواعد البناء، وفق ما تفرضه هندسة كل بناء، ليخرج قويا، ذا نفع للناس.

ومن ملامح هذه الفئة أيضا أنها قادرة، إن أرادت على استعمال قواعد هندسة البناء تلك، فلا تتعامل مع الأخبار تعامل العامة في السوق حين يتداعون لشجار على موضع عربة سمك.

لكن ما يحدث هو عكس ذلك، فلا المتاح من سعة العالم، وسهولة المعرفة قدم لنا شيئا في تعاملنا مع الأخبار، ولا نحن أجهدنا أنفسنا، لتسكت قليلا، فتعي ما يحدث.

نعلق الخبر ونمهره بعبارة " آدا اللي كان ناااقص" و "جبتش حاجة من عندي" .. "وأهو .. علشان محدش يقول إني متجني على حد !!" لنبدأ سلسلة اجتزاء خبر أيا ما كان، تافها أو ذا قيمة ونكرره كوحدات الزخرفة لنصنع به لوحاتنا الخاصة، مبدين حماس أطفال صغار، إن تصافوا في الفسحة تشاجروا في الانصراف، ولا أحد يعلم فيم تصافوا وفيم تشاجروا !

في الجدار القوي أحجار صغيرة وكبيرة، مسننة ومصقولة، ولكل منها نفع في مكانها، فالصغيرة في الزاوية لا يقوم مقامها كبيرة من الوسط. والمسننة الجارحة، تفقد جَرحها، حين تتسق مع مثيلاتها في جدار.

لا أريد أن اضرب أمثلة تحول الحديث إلى نقاش فارغ في قضية بعينها، وتصرف النظر عن منهج واحد يؤلمني وهو يتكرر بتشابه مخيف منذ شهور.

إذا كنا نعول على بناء حياتنا بالمعرفة، وبالعلم، ثم نفرط في استعمال كليهما كأننا ما تعلمنا ولا قرأنا، فكيف نأمن على حياتنا غدا !

إذا لم نستطع أن نخرج كل ما قرأناه، كيانا واحدا متسقا مع ذواتنا، فكيف نأمن على حياتنا غدا !

إذا لم نستطع أن نقارب سلوكنا إلى أحاديثنا، فكيف نأمن على حياتنا غدا !

إذا كان من يقدرون على ذلك، لأن لديهم آلاته، لا يقومون به، فكيف نأمن على حياتنا غدا !

إذا كنا نسير مع كل ما يقال كأوراق الشجر في الريح، نشرق حين تشرق ونغرب حين تغرب، فكيف نأمن على حياتنا غدا !

إذا لم تهذبنا كل رحلة الحضارة التي قطعتها الإنسانية خلال قرون طويلة، وتعاملنا فيما حولنا بغرائزنا المجردة، كان لم يكن في الأرض قبلنا تاريخ، فكيف نأمن على حياتنا غدنا.

لبعض الإعلام أن يهرتل كما يريد، فهي صناعته القديمة، ولا أعتبها عليه. لكن على الجادين في بناء الحياة أن يكونوا على قدرها .

وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ... ثم لا يكونوا أمثالكم !!



May 28, 2011

حرّقوه .. وانصروا آلهتكم




"حرّقوه .. وانصروا آلهتكم !! "

أراد أن يُسكت ثلاثين فما ثرثارا في حصة غاب عنهم فيها أستاذها، فجاسوا خلال الفصول يلعبون ويرشون الماء ويقذفون الطباشير على أبواب الفصول المغلقة.

كان شابا صغيرا حديث التعيين، وكانوا أطفالا لاهيين لا تقوى عليهم عصا. كدسهم بمشقة في الفصل، وضاع صوته بينهم وهم يقفزون بين الطاولات، فرحين بغياب أستاذهم، وبأن الحصة الآن "فراغ".

لم يعبأ بضجيجهم وبدأ حديثه هادئا يحكي لأقرب طالبين أمامه، رحلة نبي الله إبراهيم إلى مصر. وبمنطق الغيرة سكت له الأقرب فالأقرب حتى هدأ الفصل وتعلقت به العيون.

حين تنبه الطفل الصغير، كان قد وصل إلى مناظرة النمرود مع نبي الله إبراهيم؛ وهو يقول له : "ربي الذي يحيي ويميت"

قال : فجاء النمرود برجلين محكوم عليهما بالسجن ، وقال : نقتل واحدا فنميته ونعفو عن الآخر فنحييه .. أنا أحيي وأميت .

قال إبراهيم فإن الله يأت بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب .. فبهت الذي كفر .

أتذكر الطفل الصغير المبهور بلفظ ( بُهتَ ) وهو يسمعه أول مرة، وبتعليق الأستاذ على سرعة بديهة نبي الله إبراهيم، وأنه لم يترك مجالا للجدل لدى النمرود. وأفكر الآن والحكاية تتجسد أمامي من خيال ذلك الطفل الصغير: كيف كانت نتيجة المناظرة لو أن سيدنا إبراهيم غضب وقال للنمرود "أنت لا تفهم معنى الإحياء والإماتة على حقيقتهما"، ثم انبرى يشرح الفرق بين الإحياء في الحقيقة والإحياء الذي فهمه النمرود . ويخرج من قصره يجمع الناس حوله ويقول لهم : النمرود لا يعرف شيئا ويغالط، والصواب هو أن الإحياء كذا وكذا !!!

هل كان يسمعه أحد !!
وهل كانت دعوته تتعدى جدران نفسه !!

تتسع الصورة بالتداعي، ومن خيال الطفل الصغير تبرز حكاية أخرى:

نبي الله إبراهيم وهو جالس مع قومه في الصحراء، معلق النظر بالسماء يهتف بكل روحه : "هذا ربي" حين ظهر له كوكب مضيء فيها. حتى إذا غاب الكوكب نادى بغضب رقيق: "لا أحب الآفلين !! " ..

و يظهر له القمر ثم يغيب وتدركه الشمس من بعده فيقول وقد قارب الملل : "هذا ربي هذا أكبر !! " ثم تخذله هي أيضا وتغيب ليعلن لقومه براءته مما يعبدون: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا".

حجة بغير جدال كبير ، يفهمها من يبحث عن الحقيقة، وينصرف عنها من سوى ذلك.

ومن هذه الحكاية إلى خيال الطفل يرسم صورة نبي الله إبراهيم وهو يكسر الأصنام ويعلق فأسه على كتف كبيرهم، حتى إذا سألوه "من فعل هذا بآلهتنا" "قال بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون" !!

ودليله معلق على كتفه.

"فرجعوا إلى أنفسهم .. فقالوا إنكم أنتم الظالمون"

ثم نكسوا على رؤوسهم : " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" ..

ويضيقون به وبمنطقه وبنفوسهم ذرعا فيهتفون بلا منطق "حرقوه وانصروا آلهتكم " .. دعوة تتداعي بين بيوتهم كلها، فيُخرج كل بيت ما فيه من حطب نصرة لآلهتهم الصامتة !!

هذا النبي نفسه، هو من جادل الله في إحياء الموتى ، اطمئنانا واستئناسا لئلا يكون في نفسه شك يفسد عليه عمله ..

"قال أولم تؤمن ، قال : بلى .. ولكن ليطمئن قلبي !! "

لم يبخل الله عليه بطلبه، ولم يلبه له سهلا ، بل جعله يبذل جهده في طلب الاطمئنان الذي ينشده :

"ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا"

وأي جهد أكبر من أن يوزع أجزاء الطير بيده على قمم الجبال ..
ثم أي فرحة حين يدعهن بعد ذلك فيأتينه سعيا ..
يحملن له اطمئنانه ويقينه الذي يبحث عنه .

بخيالات الطفل التي رسمتها الحكاية، في تلك الحصة البعيدة، آنس "واعتزلكم وما تدعون" من عبث وأدعو ربي .. أن يمنحنا الفهم ويصرف عنا الجدل .