Feb 16, 2017

حينما أنارت الشظايا العيون

حينما أنارت الشظايا العيون 



عقب حريق لندن عام ١٦٦٦ ميلادية، نزح سكان المناطق المحترقة إلى ضاحية مور فيلد القريبة وأقاموا في مخيمات بنيت على عجل، ولم يمض قرنان على هذا النزوح حتى كانت هذه الضاحية تضم واحدة من أقدم مستشفيات طب العيون في العالم، والتي حملت اسم الضاحية، وأسسها الجراح البريطاني جون ساندرس عام ١٨٠٥.

مائة وخمسة وثلاثون سنة تالية - والقوات الألمانية تضع الخطة لاحتلال الجزيرة البريطانية بعد احتلالها لكامل الأراضي الفرنسية، حاشدة قواتها الجوية لهذه العملية، تخطيا لقوة البحرية الإنجليزية التي تؤمن القنال الإنجليزي - كان طبيب العيون الشاب هارولد ريدلي هناك، في مور فيلد مشغولا بإكمال أبحاث والده عن حلول تعيد الرؤية لأولئك الذين ابيضت عيونهم وبعدت عنهم وجوه من يحبون.

لإتمام القراءة 


Feb 2, 2017

من لا يحب .. لا يسجد

من لا يحب .. لا يسجد 


من رآى منك الجبين ليس ينسى
فلتكن في قلبه نورا وأنسا
* * *

كانت الأناضول ملاذ الهاربين من وسط آسيا حين تبدد الأمن في بلاد المسلمين أمام جحافل المغول، وكانت الدولة السلجوقية تسمع قرقعة أعمدتها منذرة بسقوطها، حين ولد يونس امرى في قرية قريبة من سقاريا، طفل تركي ولد إذا في عهد الاستقرار الزراعي التركي، ولم يشهد زمن الرعاة الرحالة الأبطال، ولد وقد حلت رموز الطبيعة الخضراء موضع الحيوانات في الشعر التركي، ولد والدرويش الذي يحسن قراءة قوانين الطبيعة قد حل محل البطل الرعوي الذي قامت عليه الأعمال التركية القديمة مثل "ملحمة أوغوزقاغان" وكتاب "حكايات دادا قورقوت".

لإتمام القراءة 


Dec 15, 2016

زمن الهزائم الجميلة

زمن الهزائم الجميلة


تذكرت اليوم سؤالا قديما أرسلته لي إحدى الصديقات وكانت يومذاك صحفية في موقع إسلام أون لاين إبان أزمته التي دفعت العاملين فيه للاعتصام عام ٢٠١٠، قالت: هل في هذا الزمن متسع للدفاع عن أحلامنا؟ هل يوجد باب يفضي إلى انتصار دون انحناء؟ وهل حقا توجد معارك شريفة منزهة عن الأهواء الشخصية؟

قريب من سبع سنوات تفصل بين إجابتي الأولى عن السؤال في مقال نشر آنذاك في جريدة اليوم السابع عنوانها "جيلنا حين يحلم" وبين جلستي الآن وحولي العديد من التغريدات التي تبكي أو تلوم أو تغضب أو تواسي سقوط حلب بكل ما فيه من كارثة إنسانية، وهل ينتهي الوضع حقا أم لا زال في النص حيلةٌ تطيل الحلقات وتؤخر النهاية. ما يجعل زمن السؤال الأول، أمام ما نحن فيه الآن زمن الهزائم الجميلة.

لإتمام القراءة 


Dec 8, 2016

بين حياتين

بين حياتين - مشهد

باشّة بوجهها الذي يزينه نمش خفيف، لقيتني في ذلك الصباح الصيفي على شاطئ المدينة الغريبة. كلانا كان غريبا، كانت هذه هي المرة الأولى التي ألقاها منذ سنوات تغيّرت فيها وتغيرت. عرفتها أثناء دراستي وتوطدت علاقتي بها، حتى أني حين تزوجت، تمنيت أن أخطبها لزوجي لئلا تفرقنا الأيام.


لإتمام القراءة 


Dec 1, 2016

جفّت ألحاني يا صديقي

جفّت ألحاني يا صديقي

كان لي في بيتي مكتب صغير، تنام عليه الأفكار والحكايات، وقصاصات الألحان ومسودات الأحلام، وكانت لي في بيتي مكتبة صغيرة تحوي كتبي التي جمعتها خلال دراستي، وخلال أيام عملي الأولى من بائع الكتب القريب من محطة الحافلات، حدثتك كثيرا عنها في رسائلي قبل ذلك، تلك التي كنت أستقل منها سيارة إلى مستشفاي الصغيرة في تلك القرية البعيدة. كانت بعيدة حين كان الطريق لها لا يزيد عن ساعة ونصف، فأين هي اليوم؟

سمعت في بعض الأخبار أنها تحولت لمستشفى ميداني، وأنها قصفت مرتين خلال الأعوام السابقة. لماذا كان عليّ أن أقرأ كوابيس بيروت في ذلك اليوم وأنا في طريقي إلى المستشفى، ثم لماذا تحققت كوابيسها في حياتي أنا بعد ذلك. بعض الحكايات تجلب الشؤم على أي حال.

لإتمام القراءة 


Nov 24, 2016

المصالحة .. الحلول البعيدة القريبة

 


المصالحة .. الحلول البعيدة القريبة  


هناك دائما حل سهل بسيط قريب لا تلتف إليه، كانت هذه هي أهم نصيحة علّمَنِيها أبي ونحن نحل معا مسائل الهندسة التي كنت أراجعه فيها بعد أن تتعقد عليّ في سنوات الأولى مع هذا العلم، علمني أن الأهم من تطبيق القوانين هو لحظة التفكير التي تسبق ذلك. فكر أولا. وأشهد أن هذا ما ساعدني كثيرا بعد ذلك في أمور كثيرة، فمعرفة منطق الأشياء وفهم طبائعها ولحظة النظر الأولى أهم بكثير من سرعة تطبيق القوانين المحفوظة.

أتذكر ذلك وأنا أراقب ردود الأفعال الوافرة التي تعقب كل خبر صحفي يشير إلى "مصالحة" ما بين الأطراف المصرية، ولا تخلو أغلب المتابعات من محفوظات كقوانين الهندسة العريقة، سواء قانون أمل دنقل "لا تصالح" أو قانون نيلسون مانديلا، والوئام المدني الجزائري، فأي القوانين العديدة في هذا العالم يصلح أن يطبق في المسألة المصرية؟

لإتمام القراءة 


Nov 17, 2016

حزن لا أعرفه


حزن لا أعرفه    

منذ سنوات لم أر أبي، سافر بالبحر تاركا أمي خلفه تعاني وحدتها وانتظاره، يقول زملائي في العمل إنني لا أحزن، لا أعرف إن كانوا على صواب أم لا، ربما لا يبدو عليّ الحزن، لأنه ليس لدي فرحٌ يقاس عليه حزني.

لم أعرف في الحقيقة تنوع العواطف في هذه المدينة الواسعة السريعة المزدحمة. كما تحكي أمي، فإنهما خرجا هاربَيْن من الموت واستقرا هنا فترة، ثم لاح لأبي أن يعبر البحر إلى عالم أوسع بحثا عن مأمن لنا. لا أحد يعلم منذ ذلك الحين إن كان قد عبر حقا أم لا. لم تصل أخبار إلى أمي بعد ذلك.


لإتمام القراءة 


Nov 10, 2016

موسيقى الحصار

 


موسيقى الحصار   

كانت الحياة تذبل في المدينة التي بناها بيتر الكبير "سان بطرسبرج"، والتي أرادها عاصمة لإمبراطورتيه الفتية آنذاك، ونافذةً روسية على أوروبا الملهمة بفنها وعمرانها، زينها بقصور فرنسية الطراز، لتمر منها فنون أوروبا وثقافتها إلى روسيا، قبل أن تُدَوِّي فيها مدافع البارجة آفرورا معلنة بداية الثورة الروسية وتبدل أحوالها واسمها، إذ كانت مسقط رأس لينين، فحملت اسمه، وخلال الحرب العالمية الثانية، حاصرها الألمان بَرًّا بقسم هتلر بمحوها عن الوجود.



لإتمام القراءة 


Nov 4, 2016

لا أحب اسطنبول

 


لا أحب إسطنبول  


هذه هي المدونة الثانية عشرة من مدوناتي هنا، أخرج فيها عما رسمته من مواضيع، لأكتب على غير نسق، أو موضوع، أدون شيء من حكاياتي عن المدينة التي أقيم فيها، والتي لم أعرفها بعد حق المعرفة، وأعتذر عن عدم استكمال ما بدأته من حديث عن شيللر كوني لانشغال قليل هذا الأسبوع، وربما الذي يليه. 

ثلاث سنوات أتممتها هذا الشهر في إسطنبول، جئتها عابرا فمكثت إلى حين. وثلاث هي نفسها أتممتها قبل شهر من الشهر، زوجا.

جئت المدينة إذًا على حين فرحة في مهدها. وجئتها على حين حزن لف الحياة بعد ما كان في أغسطس قبل ثلاثة أعوام.


لإتمام القراءة 


Oct 27, 2016

سفراء الجمال - نشيد الفرح - مدونات الجزيرة

عودة للتدوين 

سفراء الجمال - مدونات الجزيرة

نشيد الفرح  


عرف شيللر شاعرا، وعرف مسرحيا، وعرف فيلسوفا، وقلما يجتمع العقل الفلسفي والخيال الشعري لشخص واحد، فيكون عطاؤه فيهما قريبا في المستوى والخصوصية، وكثيرا ما عارض أحدهما الآخر، ولقد كان هو نفسه مدرك لذلك، حيث كتب مرة لجوته: "أراني كالمخلوق الهجين، أتأرجح بين الفكرة وبين التأمل، أو بين عقل محكوم بالقواعد، وبين خيال حر وهذا ما أورثني مظهرا على قدر من التشوش والارتباك في مجال الفكر النظري."



لإتمام القراءة 


Sep 15, 2016

عودة للتدوين 


رياض الورد  


يا نديمي قم تنبّه واسقني واسقِ الندامى
اسقياني وهدير الرعد قد أبكى الغماما
وشفا الأزهار تفترّ من الضحك ابتساما
قل لمن عيّر أهل الحبّ بالجهل ولاما
لا عرفت الحبّ هيهات ولا ذقـت الغرامـا
* * *

لوحتان بخط التعليق الفارسي، تلفتان الانتباه في جامع السلطان أحمد، حتى لا تخلو زيارة زائر للمسجد من تصويرهما، ومشاركتهما، الأولى "الكاسب حبيب الله" التي أشرت لقصتها في تدوينتي الثانية هنا عن جماعة "أخي ايفرين"، أما الثانية فشطر البيت المشهور "كشف الدجى بجماله" وفوقه تتمة المعنى "صلوا عليه وآله"، ثم توقيع الخطاط خلوصي تلميذ سامي وسنة كتابتها التي جاءت في عام ١٣٤٠ هجرية. 


لإتمام القراءة 


Aug 31, 2016

عودة للتدوين 


عمر الخيام 


قديما، قال الفيلسوف الهولندي إسبينوزا "إذا وقعت واقعة عظيمة لا تضحك ولا تبك.. ولكن فكّر". 
وما أكثر الوقائع الكبيرة التي حدثت خلال الأعوام الخمسة الماضية، وأسرتنا في سياجها، حتى أفقت يوما ولا حديث أتحدث فيه إلا وهو من وحيها أو في أطرافها.

ثقلت نفسي من ذلك حتى زهدت في الحديث زهدا جعلني أتأخر عن الاستجابة لأي دعوة تصلني للكتابة، فأي عنوان يمكن أن يكون مناسبا في مثل هذا الوقت، وأي كلام ستكون له قيمة، كأنه لا ينبغي أن نكتب إلا ما له قيمة! ثم يعود الصمت هو الملاذ.. ومن طال صمته ضجّ، كمن كثر كلامه. 


لإتمام القراءة 


Jul 25, 2012

مدن الأئمة

مدن الأئمة

صفحة ترحل بين التاريخ والجغرافيا والحكايات

http://www.facebook.com/imamCities

Jun 28, 2012

رنا الجميعي تكتب عن الرئيس





رنا الجميعي تكتب عن الرئيس

من جود ريدزر :


تحكي الرواية عن محمد المحب لابن سينا، والذي ارتبط به منذ شاهده في حلم أتاه فيه اسم ابن سينا على طاولة عليها كتاب مفتوح، في السطر الأول منه : " إن الإنسان يجهل أكثر مما يعرف، وغاية المعرفة إفادة اليقين حتى يصل منه إلى مبدأ الوجود وعلله "، ومن بعدها صحبه ابن سينا في حياته حتى أنه جعل بريده الإليكتروني باسم ابن سينا حتى جاءه اليوم الذي استطاع فيه تقفي أثر ابن سينا في بلاده التي عاش بها في إيران من أصفهان إلى همذان.

حسبت الرواية تحكي عن عالم ابن سينا فقط، ولكنها جاءت محملة بأوجاعنا مكتملة، تساؤلات كثيرة تعج بها الرواية ليست فقط عن ابن سينا، فالرواية مزج واقعي تخيلي بين عالمين، استطاع العدوي أن يربط بينهما، فبين رحلة محمد للبحث عن ابن سينا في عصره وحكايته عن ورد جاريته التي أحبها، وعن ايران التي قالت عنها أمه حينما أراد السفر :

"ايران يا محمد، تذهب إلى الشيعة"

والتى غرق في حبها محمد بطل الرواية و منحته حياة جديدة كل يوم، في كل مكان ذهب إليه وصفه بعين غرقت في جمالها من متحف السجاد ومتحف طهران الوطني بطهران و زايندة رود "النهر المولود"، و قصر جهلستون أى قصر الأربعين عمود و حديقة الطيور بأصفهان .

بين صفحات الرواية يقلب العدوي ندوب العالم العربي، باحثُا و سائلًا ومتوجعًا و موجعًا

قد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة، أقصد سياسيًا، لم يهنأ العالم باستقرار لفترة طويلة، لم يهنأ أبدًا، وحتى أخلاقيًا فالخمر و بيوت الغناء والجواري كانت شيئًا ثابتًا في هذا المجتمع.

كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدون، ومع ذلك قامت في حضرتهم نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلمته إلى أوروبا في عصر النهضة.

نحن لا نختلف عن أسلافنا اليوم في هذه الأوضاع المضطربة، ولا في أن حولنا أخطارًا تحدق بنا، ولا في أننا مستهدفون، ولا في أننا اتجهنا للهو وتركنا صحيح الدين، كل ذلك يشبهوننا فيه ...

هناك شئ آخر فُقد فانقطعت صلتنا بالامتداد الحضاري الطبيعي لأي تجمع بشري، وانتهينا إلى ما نحن فيه، حتى تكاد صفة الانتساب لما هو عربي أن تكون سبة، أو وصمة تجمع كل المعاني الناقصة، كل ما أريده أن أضع يدي على هذا الشئ المفقود، فقط !"

أعتقد أن تلك الجملة كانت محور الرواية، البحث عن ذلك الشئ الذي فقدناه بمرور الوقت، ونتج عنه جراحنا الدائمة من ضياع الأندلس وفلسطين واحتلال العراق وحرب العراق وايران وحرب العراق و الكويت والجماعات المسلحة و غيرهم، حتى الخلافة التي قال عنها :



“الخلافة ليست أن يملك بلاد المسلمين رجلٌ واحد! .. الخلافة هي الحكم العادل ولو في البيت الصغير”

يقول العدوي في الرواية على لسان صديق البطل العراقي"عبد الرحمن" :

“الرواية هي من سينثر أفكارك على الوسادات ويزرعها في أحلام النائمين، ستكون على مقاعد الحافلات والقطارات، وفي أحاديث الناس في المطاعم والاستراحات والنوادي والحدائق، كل ما عليك هو أن تصنع بناء يغري الجميع بالدخول إلأيه واكتشافه، يأخذهم عن كل ماحولهم يسلكهم في نظامه ويفصلهم عن عالمهم.. ارسم عالمًا بالغ الدقة في التفاصيل حتى في ملمس الفرش والستائر ورائحة العطور ...دعهم يسيرون مبهورين به، الحكاية مبهرة دائمًا وإن كانت مكررة

هذا ما فعله العدوي بروايته، نثر خطوط حكايته على مدى صفحات الرواية، تمددت حكاياته عن ابن سينا بين شذرات قليلة في أولها إلي حكاية مكثفة في آخرها عنه وعن فارس المتقلبة شئونها و ورد جاريته التي تزوجها ، أما البداية فكانت رسم لعالمنا المعاصر و اشكالياتنا الدائمة دومًا و أبدًا.

أمدّ العدوي من روحه الجميلة و الأرقة روايته و شخصياته، و التى كان في الحوار معها الاجابة التي يرتكن إليها بطل الرواية و راويها، غادة الفتاة العراقية أو "الماهية" كما تعارفا في عالم الانترنت، كانت صوتُا للتفكر و البحث وراء الأسئلة العميقة، كنجيان الشيعي الذي ساعد محمد في رحلته وقال عنه : كنت دائما اسمع عن " اخوة الدين " ، لكنني لأول مرة أدركها صافية في نفسي ، عاطفة قوية، أكاد لا أخطئها، وتعجبت أن أشعر بها الآن وأنا إلى جوار شيعيّ ينبغي ألا أثق فيه" ، آواز الفتاة التركية شافعية المذهب التي تدرس بإيران و تحب أتاتورك كانت مرشدًا له ليرى جمال إيران، و ليحكي معها عن تركيا و ايران و شعر جلال الدين الرومي و الأكل الإيراني و صورة الشرق عند الغرب.

يمتلك العدوي لغة عميقة وبسيطة في آنٍ واحد، يفرد ألمه و أسئلته الحائرة أمامكـ ، تتوه و تتحير معه، في بحثه عن ألمه الخاص و العام، الحوار كان عنصرًا قويًا بالرواية، أشبه بكرة بنج بونج يتنقلها لاعبين فيما بينهما، وفي أغلب المواقف كان الحوار ثنائيًا، بين غادة ومحمد، بين كنجيان و محمد، و بين آواز ومحمد .

يتسرب الوجع و الجمال دفعة واحدة إلى القارئ، روح الشرق تتمثل بقوة في ايران، الله أورثنا جمال العالم ولكنه بهت في أعيننا بكثرة الحروب و الصراعات، رواية العدوي هي عالم جميل وواسع لن أقول يأخذك بعيدًا عن أوجاعنا و لكنه يطرق أوجاعنا بخفة ورفق وحسم أيضًا ، ويحاول أن يطببها و يضع يده عليها قليلًا لتستكين لمداواتها بعمق، قالتها "غادة" في الرواية حينما سألها محمد : أين هي خير أمة ؟ ، قالت له : لا تبحث عن خير أمة، كن أنت خير أمة.

سألت نفسي أين حكاية ابن سينا من كل هذا؟، حتى جاءت في آخرها وكأن العدوي يمهد لقارئه الطريق ويرصفه جيدًا حتى يتأهب في حضرة ابن سينا، جاء ابن سينا و جاءت معه ورد التي أنقذ أخيها من الاعدام فوهبته قلبها و اشتراها، ثم أصبحت جاريته التي سكن إليها وتزوجها في آخر عمره، كان ابن سينا ناطٌقًا للحق ليس بمنافق، و في فلسفته العميقة وفطرته التي جبلها الله عليه الخير كله، لم يمحو العدوي أخطاء ابن سينا في الرواية، ذكرها فقد كان كما أشار إليه العدوي محبًا للنساء والخمر، ولكنه أشار إليها هكذا ولم يخض فيها كثيرًا، كان وزيرًا لأمير الدولة الذي يستشيره في أحوال الرعية وكيفية بناء الدولة، و يرد عليه الأمير : الوزراء مثلك يحيون الممالك يا ابن سينا!

تلك الرواية تؤرق العقل و يتلقاها القلب خير لقيا فهي مكتوبة بفطرة سليمة، خليقة ببشر يبحثون عن المعنى و الحل

May 21, 2012

سناء ظبيان تكتب عن الرئيس

الرئيس" ..للعدوي

لم يسبق لي أن كتب عن رواية قرأتها  وهذا لا يعني أن ما قرأته كثير ..فالرواية في الغالب تمرر لك الفكرة محلاّة مجملة في شكل درامي يمر بسلسلة من الأحداث فتكون حاضر الذهن والعطافة معا ..ولعلي حين أبحث عن فكرة أحاول دائما تجنب العاطفة ..فلا أبحث عنها في رواية!

ببساطة استفزاز العاطفة يستفز فينا روح قوية للإيمان أو للكفر بهذه الفكرة وهذا أمر خطير إلى حد ما ما لم تكون متسلحا بقوة الفكر والقدرة على الفصل بينه وبين عاطفتك ووجدانك .

لعلي حين انتهيت من رواية الرئيس والتي شحنت وجداني وعاطفتي بعنف شعرت بانفعال كبير ..ولكنه ايجابي ..ليس من ضرورته أن أتخذ موقفا او أؤمن بشيء ما ولكن يملي علي بطريقة قسرية أن اتابع البحث علني أغلق تلك الآجابات المفتوحة والتي دلني فيها العدوي على اول الخيط ثم قال "تابعي بنفسك".

العدوي في كل سطور روايته متأهب جدا للحركة ..انه في حراك دائم ..نشط جدا في تقليب الناس والفكرة في تقليب الأزمنة والأمكنة ..مدهش حين يأخذه الوصف لمكان ما أو لشعور ما تخلله _على اعتبار انه الراوي_ يجعلك تعيش معه تلك الحالة ببراعة ..أنظر إليه حين يصف مخارج الحروف ..كيف تلفظ وكيف تقرأ أو ترسم ..أنظر إليه حين يدق وصفه للآخرين سواء أضمر هذا الوصف وجعله حديث بينه وبين ذاته في إشارة إلى "وجوده" الحقيقي في الرواية  أم جعلك انت تراه بطريقتك . أنظر إليه حين يتخطفك في الحوارات بين مختلف الشخصيات التي عرضها علينا من غادة هذه البداية الناضجة التي تطلبت أسئلة عميقة قوية تنتظر أن تدق الفأس حتى تستخرجها من صندوقها ..ولا يطرق الفأس إلا فكر شاب يأخذه بقوة
 ..
غادة هذه التي تأتي كالبدايات كبيرة كالماضي متسفزة للبحث ..هذه التي تأتي من عمق بغداد من عمق الحقيقة "والماهية"
غادة التي يسألها فلا تعطيه الإجابة ولكنها تدله كي يبحث وهو تتعبه روحه التواقة فيبدأ البحث بمعيتنا بقدر ما يستطيع ونقدر
.
" لقد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة،
أقصد سياسيا. لم يهنأ العالم باستقرار لفرتة طويلة، لم يهنأ أبدا، وحتى
أخلاقيا فالخمر وبيوت الغناء والجواري كانت شيئا ثابتا في هذا المجتمع..
كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدّون، ومع ذلك قامت في حضرتهم
نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلّمته إلى أوروبا
في عرص النهضة" ..

 انها الأسئلة التي تبحث في الأساس والسبب لا في العوارض والنتائج .."

«الخلافة ليست أن يحكم بلاد المسلمين  جميعها رجل واحد. لم يعد
هذا ممكنا، ولم يتحقق في الزمان إلا قليلا. الخلافةُ هي الحكم العادل ولو
في بيت صغير. " يرد بنا العدوي ان نخرج من الصندوق من نمطية التفكير المتصلب من محاولاتنا المستميتة في فرض انموذج واحد قسرا يجب ان يتكرر بصرف النظر عن ابجديات العصر ومتطلباته المختلفة .

إنه يأخذنا مع غادة هذه التي تبدو أكبر في ملامحها من عمرها ليصل أسوار القدس أو قريبا منها من جهة مصر الكنانة ..تلك الأرض الآمنة التي ستثور بعد قليل ثورة عز وحرية ..بغداد والقاهرة هاتان المدينتان اللتان تحملان ما تحملان من دلالات تاريخية عظيمة .. لنصل لمدينة نعجز عن ان نفسر هذه الهالة النورانية الحزينة ابدا والتي تحيطها منذ الأزل .."فلسطين"

قالت غادة: سبحان من علّق القلوب بهذه الأرض. «ائتوه فصلوا
فيه فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله

- هذه الأرض أيضا لغز من ألغازنا التي لا أفهمها
هكذا يخط عبارته الحمراء هذه ..القدس المدينة اللغز على مر العصور جميعا ..البوابة التي عبرت منها الأمم كافة ..أرض السلام والأنبياء والإرث العظيم ..!
هكذا يبدأ روايته بتلك الأسئلة التي تجعلك تفكر في حقيقة الأشياء لا في هيئتها وشكلها ..الماهية !
ثم يبدأ العدوي هذه الرحلة المطعمة بالحاضر والماضي بالتاريخ والمستقبل بالإرث والثقافة بالأدب والعلم بالجمال حيث يراه فهو أحق من يكتب عنه !

يسافر بنا لبلد الرئيس صديقه  يدخلنا عبر قاعات حياته المختلفة ..يبرع في ادخال الشخصيات وتبادلها بالحوار والنقاش والأفكار لا تمل ولا تضيع بل تفهم كل شخص ماذا اراد له ومنه ولك منه !

انا لا اعرفه ولا أعرف الاشكالية التي تدور حوله ..لكني شعرت أنني اريد أن اعرف من الذي أورثنا كل هذا الجمال الذي كشفت عنه هذه الرواية ..انه في ذات الوقت يتطرق لتلك الأسئلة حول الملل والأديان والمذاهب تلك التي نخاف من أن نسألها أو نعرف عنها لكنه فعلا كما ذكرت المقدمة يطرحها بكل ثقة وقوة انه حين يطأ أرض طهران يعرف ماذا يريد ..وحين يجلس بين سكانها يعرف ماذا يريد ..انه لا يتردد البتة ..في شغف لحرية الطرح وجرأة السؤال والفكرة .
في بحثه عن" ورد" الرئيس يلتقي بـ"ورده "!

انه يحضرها من هناك من اقصى التاريخ ليعيش بها ما يشبه ما عاشه ابن سينا مع ورد ..ورد هذه الفاتنة التي لا يغطي وجهها اصباغ ولا ألوان هذه التي عاشت _كما وقع في قلبي_ ما عاشته شيرين بطريقة ما فشيرين ما هي الا جزء من ورد ..وهذا ما كان يجعلها دائما تلجأ لورد وترتاح لها وتشعر بانها تحتوي غضبها وجموحها وكل اسئلتها ..اليقين الذي كان في داخل ورد سحر شيرين تلك الجارية التي كانت ناقمة على هذا الدين ..ورد التي كانت مجوسية ..والتي أصبحت تعيش بروح الاسلام ..وتعشّقته أكثر حين التقت بالرئيس ..ورد هذه هي الرواية الأجمل لابن سينا ..هذا الفيلسوف الكبير.

قبل أن يلملم اوراقه ويغادر طهران ويرمي بضع احجار في الماء الراكد في لقائه مع بوسنية عابرة تريد العمرة ..يحملك العدوى إلى أقصى أوج أحاديثه عن ابن سينا ..يبدأها بحوار مع امير الدولة في حديثه عن الرعية وكيف تبنى المدن يمرر لك بضع سنن لسياسة الرعية ..مرورا بطفولته التي تتفتق عبقرية ..انقاذ ورد له ..ثم فلسلفاته المستعلية عن سفاف الأمور ..فما أجمله حين يحدث ورد بروح الفيلسوف وروح العاشق معا .. وما أجمله حين يبتهل وقوفا او قعودا ..وكيف يتقن السؤال والدعاء ..
هكذا هم العلماء ..العظماء ..وهكذا هي حياتهم ..

اعترف بان الفضول انتابني كي اقرا اكثر عن ابن سينا اريد ان اعرفه اكثر لأربط تك الخيوط التي دلني عليها العدوي ..ولأحكم مسكها والعبور من خلالها إلى كل فكرة اثارتها الرواية في خيالي
"
الرئيس" رواية شابة في طرحها ورؤيتها في اسئلتها وتركيبتها شابة في تفاصيلها وحيوتها في مشاعرها ووجدانها شابّة بما يشبه هذا الربيع الدموي الصاخب الذي يعشيه العباد وتمر به البلاد ..شابة في املها وثقتها ان الغلبة لهذا الدين لحقيقته الأولى لفطرته النقية الصافية بعيدا عن كل أثر للبشر فيه جانب الصواب او لم يجانبه ولكنه لم يوافق خطوط زمانه .

محمد العدوي أيها "الصديق " شكرا لك

سناء ظبيان /قارئة