لم يسبق لي أن كتب عن رواية قرأتها وهذا لا يعني أن ما قرأته كثير ..فالرواية في الغالب تمرر لك الفكرة محلاّة مجملة في شكل درامي يمر بسلسلة من الأحداث فتكون حاضر الذهن والعطافة معا ..ولعلي حين أبحث عن فكرة أحاول دائما تجنب العاطفة ..فلا أبحث عنها في رواية!
ببساطة استفزاز العاطفة يستفز فينا روح قوية للإيمان أو للكفر بهذه الفكرة وهذا أمر خطير إلى حد ما ما لم تكون متسلحا بقوة الفكر والقدرة على الفصل بينه وبين عاطفتك ووجدانك .
لعلي حين انتهيت من رواية الرئيس والتي شحنت وجداني وعاطفتي بعنف شعرت بانفعال كبير ..ولكنه ايجابي ..ليس من ضرورته أن أتخذ موقفا او أؤمن بشيء ما ولكن يملي علي بطريقة قسرية أن اتابع البحث علني أغلق تلك الآجابات المفتوحة والتي دلني فيها العدوي على اول الخيط ثم قال "تابعي بنفسك".
العدوي في كل سطور روايته متأهب جدا للحركة ..انه في حراك دائم ..نشط جدا في تقليب الناس والفكرة في تقليب الأزمنة والأمكنة ..مدهش حين يأخذه الوصف لمكان ما أو لشعور ما تخلله _على اعتبار انه الراوي_ يجعلك تعيش معه تلك الحالة ببراعة ..أنظر إليه حين يصف مخارج الحروف ..كيف تلفظ وكيف تقرأ أو ترسم ..أنظر إليه حين يدق وصفه للآخرين سواء أضمر هذا الوصف وجعله حديث بينه وبين ذاته في إشارة إلى "وجوده" الحقيقي في الرواية أم جعلك انت تراه بطريقتك . أنظر إليه حين يتخطفك في الحوارات بين مختلف الشخصيات التي عرضها علينا من غادة هذه البداية الناضجة التي تطلبت أسئلة عميقة قوية تنتظر أن تدق الفأس حتى تستخرجها من صندوقها ..ولا يطرق الفأس إلا فكر شاب يأخذه بقوة
..
غادة هذه التي تأتي كالبدايات كبيرة كالماضي متسفزة للبحث ..هذه التي تأتي من عمق بغداد من عمق الحقيقة "والماهية"
غادة التي يسألها فلا تعطيه الإجابة ولكنها تدله كي يبحث وهو تتعبه روحه التواقة فيبدأ البحث بمعيتنا بقدر ما يستطيع ونقدر
.
" لقد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة،
أقصد سياسيا. لم يهنأ العالم باستقرار لفرتة طويلة، لم يهنأ أبدا، وحتى
أخلاقيا فالخمر وبيوت الغناء والجواري كانت شيئا ثابتا في هذا المجتمع..
كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدّون، ومع ذلك قامت في حضرتهم
نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلّمته إلى أوروبا
في عرص النهضة" ..
انها الأسئلة التي تبحث في الأساس والسبب لا في العوارض والنتائج .."
«الخلافة ليست أن يحكم بلاد المسلمين جميعها رجل واحد. لم يعد
هذا ممكنا، ولم يتحقق في الزمان إلا قليلا. الخلافةُ هي الحكم العادل ولو
في بيت صغير. " يرد بنا العدوي ان نخرج من الصندوق من نمطية التفكير المتصلب من محاولاتنا المستميتة في فرض انموذج واحد قسرا يجب ان يتكرر بصرف النظر عن ابجديات العصر ومتطلباته المختلفة .
إنه يأخذنا مع غادة هذه التي تبدو أكبر في ملامحها من عمرها ليصل أسوار القدس أو قريبا منها من جهة مصر الكنانة ..تلك الأرض الآمنة التي ستثور بعد قليل ثورة عز وحرية ..بغداد والقاهرة هاتان المدينتان اللتان تحملان ما تحملان من دلالات تاريخية عظيمة .. لنصل لمدينة نعجز عن ان نفسر هذه الهالة النورانية الحزينة ابدا والتي تحيطها منذ الأزل .."فلسطين"
قالت غادة: سبحان من علّق القلوب بهذه الأرض. «ائتوه فصلوا
فيه فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله
- هذه الأرض أيضا لغز من ألغازنا التي لا أفهمها
هكذا يخط عبارته الحمراء هذه ..القدس المدينة اللغز على مر العصور جميعا ..البوابة التي عبرت منها الأمم كافة ..أرض السلام والأنبياء والإرث العظيم ..!
هكذا يبدأ روايته بتلك الأسئلة التي تجعلك تفكر في حقيقة الأشياء لا في هيئتها وشكلها ..الماهية !
ثم يبدأ العدوي هذه الرحلة المطعمة بالحاضر والماضي بالتاريخ والمستقبل بالإرث والثقافة بالأدب والعلم بالجمال حيث يراه فهو أحق من يكتب عنه !
يسافر بنا لبلد الرئيس صديقه يدخلنا عبر قاعات حياته المختلفة ..يبرع في ادخال الشخصيات وتبادلها بالحوار والنقاش والأفكار لا تمل ولا تضيع بل تفهم كل شخص ماذا اراد له ومنه ولك منه !
انا لا اعرفه ولا أعرف الاشكالية التي تدور حوله ..لكني شعرت أنني اريد أن اعرف من الذي أورثنا كل هذا الجمال الذي كشفت عنه هذه الرواية ..انه في ذات الوقت يتطرق لتلك الأسئلة حول الملل والأديان والمذاهب تلك التي نخاف من أن نسألها أو نعرف عنها لكنه فعلا كما ذكرت المقدمة يطرحها بكل ثقة وقوة انه حين يطأ أرض طهران يعرف ماذا يريد ..وحين يجلس بين سكانها يعرف ماذا يريد ..انه لا يتردد البتة ..في شغف لحرية الطرح وجرأة السؤال والفكرة .
في بحثه عن" ورد" الرئيس يلتقي بـ"ورده "!
انه يحضرها من هناك من اقصى التاريخ ليعيش بها ما يشبه ما عاشه ابن سينا مع ورد ..ورد هذه الفاتنة التي لا يغطي وجهها اصباغ ولا ألوان هذه التي عاشت _كما وقع في قلبي_ ما عاشته شيرين بطريقة ما فشيرين ما هي الا جزء من ورد ..وهذا ما كان يجعلها دائما تلجأ لورد وترتاح لها وتشعر بانها تحتوي غضبها وجموحها وكل اسئلتها ..اليقين الذي كان في داخل ورد سحر شيرين تلك الجارية التي كانت ناقمة على هذا الدين ..ورد التي كانت مجوسية ..والتي أصبحت تعيش بروح الاسلام ..وتعشّقته أكثر حين التقت بالرئيس ..ورد هذه هي الرواية الأجمل لابن سينا ..هذا الفيلسوف الكبير.
قبل أن يلملم اوراقه ويغادر طهران ويرمي بضع احجار في الماء الراكد في لقائه مع بوسنية عابرة تريد العمرة ..يحملك العدوى إلى أقصى أوج أحاديثه عن ابن سينا ..يبدأها بحوار مع امير الدولة في حديثه عن الرعية وكيف تبنى المدن يمرر لك بضع سنن لسياسة الرعية ..مرورا بطفولته التي تتفتق عبقرية ..انقاذ ورد له ..ثم فلسلفاته المستعلية عن سفاف الأمور ..فما أجمله حين يحدث ورد بروح الفيلسوف وروح العاشق معا .. وما أجمله حين يبتهل وقوفا او قعودا ..وكيف يتقن السؤال والدعاء ..
هكذا هم العلماء ..العظماء ..وهكذا هي حياتهم ..
اعترف بان الفضول انتابني كي اقرا اكثر عن ابن سينا اريد ان اعرفه اكثر لأربط تك الخيوط التي دلني عليها العدوي ..ولأحكم مسكها والعبور من خلالها إلى كل فكرة اثارتها الرواية في خيالي
"
الرئيس" رواية شابة في طرحها ورؤيتها في اسئلتها وتركيبتها شابة في تفاصيلها وحيوتها في مشاعرها ووجدانها شابّة بما يشبه هذا الربيع الدموي الصاخب الذي يعشيه العباد وتمر به البلاد ..شابة في املها وثقتها ان الغلبة لهذا الدين لحقيقته الأولى لفطرته النقية الصافية بعيدا عن كل أثر للبشر فيه جانب الصواب او لم يجانبه ولكنه لم يوافق خطوط زمانه .
محمد العدوي أيها "الصديق " شكرا لك
سناء ظبيان /قارئة











