ظلت تلك التماثيل الكبيرة الرابضة في ميادين المدينة تحمل معنى واحدا في رأسه ، وتتعلق بعبارة واحدة لم يسمع غيرها : غدا يا بني تكسر بيديك هذه الأصنام . وكبر وكبرت في نفسه النبوءة والحلم . واتسعت الأصنام من التماثيل الكبيرة التي تملأ الميادين إلى الذين يصنعون التماثيل الكبيرة التي تملأ الميادين ، إلى الذين يشيرون بها وإلى الذين يسكتون عنها .
وتحول الحلم من يقظته إلى حلم يراوده كل ليلة . يرى بيده فأسا وعلى كتفه مخلاة يدور في شوارع المدينة يكسر تماثيلها وكلما انتهى منها عاد فوجدها قائمة لم تمس . فيزداد عزمه ويدور يكسرها ويعود فيجدها كما كانت قائمة . ولا يقطع دورانه إلا استيقاظه عند الفجر يتوضأ ويصلي ويستعيذ بالله من هذه التماثيل الكبيرة التي تملأ الميادين .
أنبياء الله جميعهم كسروا الأصنام . نبي الله إبراهيم كسرها بيده ورسول الله محمد أرسل في المدائن من يكسرها و حطم هو الأصنام حول الكعبة فعلام إذا أصبح يتوارى من نفسه إذا راوده ذلك الحلم . كان يجد في نفسه فيما مضى سعادة وعزما ثم تبدلت السعادة خوفا والعزم رهبة . بقاء التماثيل قائمة على حالها في كل ليلة يرى فيها الحلم يفزعه . ما جدوى تكسيرها إذا ، ولماذا تقوم . إنها أحجار لا حياة فيها ، من يعبث به ويقيمها إذا ؟
تردد على المساجد يسمع منها . أقتنى كتبا كثيرة . لم يدع زاوية سمع عن محاضر فيها إلا طرقها ولا كتابا يمس ما هو فيه إلا اقتناه . وزادت حيرته . ليست الأصنام هذه الأحجار وحدها ، إن كل ما يعبد من دون الله أصنام ، هكذا قال الشيخ في شريط له قديم وجده على باب المسجد . كل شيء وكل أحد أصنام . الآن عرف لماذا تعود التماثيل للحياة في الحلم ، لأنها ليست هي المعنية !
هدأت نفسه قليلا . هذا الشيخ ثقة ، اعتقلته التماثيل الكبيرة التي تملأ الميادين لأنه يريد تحطيمها فترك ذلك أمانة لنا .
و تغير الحلم الذي تعود أن يزوره ، أمسى كلما حطم تمثالا عاد ليجده تماثيل كثيرة . كل حجر يسقط ينبت منه تمثال جديد حتى تملأ التماثيل الجديدة الميدان مكتملا و يظل هو يكسر والتماثيل تزيد حتى لم يعد في المدينة شارع إلا قد غمرته التماثيل .
وعادت حيرته الأولى ، ما معنى هذا الميلاد وهذه الكثرة . إنه ماض على عزمه يحقق النبوءة والحلم . يريد أن يحققها لله ، فلماذا إذا لا يساعده الله . يحكي الشيخ أن الرسول كان يشير إلى الصنم بمسواك في يده فيتهاوى صريعا . ما أقبح أصنام اليوم ، أصبحت أكثر تجبرا وعنادا . ستكون كلها وقود للأصنام الكبيرة ذات الأرواح . هكذا قال الشيخ .
وتحولت الحيرة إلى ضيق . والضيق إلى هم وكآبة . حتى لم يعد يرى في أحلامه إلا كونا واسعا مظلما لا تبدو فيه نهاية ولا تمس فيه أرض . ينادي فلا يسمع رجيع صوته .
**********
في برنامج مباشر على إحدى القنوات كان ذات الشيخ الذي اقتنى شريطه عند المسجد يقول : إنه لم تعد هناك أصنام ، فالأصنام كلها كسرت على عهد رسول الله وأننا أخطأ فهم النصوص و أن الشمس طالعة والنور ضاف وكل الذي كان سقط لسان وأفكار تائهة رشدت واهتدت .
لم يزره حلمه في تلك الليلة . حلما جديدا زاره حين رأى شيخه يجر أناسا من قفاهم ويحملهم على جواده وعلى وجوههم رضا الطاعة ، ثم يقف بهم عند سفح جبل يتركهم على حافته ويعود .







