Oct 24, 2009

التسطيح




في أساس البلاغة: سطّح الشيء إذا جعله مستويا // وفي الصحاح: سطْحُ كل شيء أعلاه. و به يكون تسطيح الأمور: الأخذ بالبسيط الواضح منها دون النظر لما هو في عمقها. وهو موضع الحديث الذي أحاوله الآن.

إذا كانت أول العلاقات بالأشياء تبدأ بالنظر لها. ثم محاولة تحسسها ثم النفاذ إليها ومعرفة ماهيتها ووظيفتها. فكل معرفة لا تُتـتَبع إلى تلك النهاية لا تكون معرفة كاملة.

المعرفة بالنظر وحدها لا تنقل لنا إلا الأشكال والصور وهي في أحوال كثيرةٍ مشتركةٌ متشابهةٌ. والمعرفة باللمس والإحساس وإن أضافت معانٍ تُخصص الأولى إلا أنها تظل غير قيمة في ذاتها.

إن معرفتنا لشيء لا تتم إلا بمعرفة قيمته الحقيقية لنا وما يمكننا أن نجنيه من نفع فيه أو نتحاشاه من ضرر منه.
*********
الذي ينظر للبحر من شرفة على الطريق يدعي المعرفة به وبمواقيت نوّاته وسلوك أمواجه. والذي يجلس ماداً ساقيه في الماء يدعي المعرفة بالبحر وتقلباته. و الصياد والبحار والمرشد كل أولئك يدعون المعرفة به. ثم السباح والغواص يقولون ذلك أيضا.

فمِن أيٍ من هؤلاء يمكننا تتبع المعرفة عن البحر؟

مِن صاحب الشرفة أم من المصطاف أم السباح أم الغواص؟!

ما يجري على البحر نخلعه على أمر كالسياسة مثلا. السياسة التي فيها تاريخ الأمم ومسالكها. وفيها نزعات البشر وتقلباتهم. فيها السلطة والسطوة والحيلة والخديعة. فيها الطموح والجموح. ومع كل ذلك نجد المستشرف لها من شرفة، ومن يمد فيها رجلا ومن يملأ منها قَدْر القدح.. ثم هم جميعا بعد ذلك مناضلون سياسيون يكتبون ويهتفون ويجمعون حولهم الناس.

إذا غضبنا حين يتهمون جيلنا بأنه جيل سلبي المشاركة في الأحداث التي تصنعه. فأكثر من ذلك غضبنا أن نكون جيلا يُسطّح كل قضاياه حين يتعامل معها. وانظر كيف هو نتعامل مع قضية كتوريث الحكم مثلا تعامل المشجعين والمحللين في البرامج الرياضية.

حتى الأسماء التي نختارها لا تعبر عن جدية الحدث، فبين "شايفينكو" إلى "هنعصلج" و"ما يحكمش".. كلها أسماء تصلح أن تكون أسماء مسلسلات فكاهة لا حركات سياسية موزونة.

*********
أما على صعيد التديُّن ومفرداته فكثير أيضا، ابتداء من نصرة الرسول برسائل قصيرة ترسلها لعشرة يغفر الله لك ولأبيك وأمك ومن في الأرض وانتهاء بالتصوف الذي كان علم الخواص في كل زمن فأصبح دعوى العوام لتكون منه نسخة مختصرة من نايٍ ومولويات وأبيات هي تمام التزين والمعرفة.

مثل ذلك يمكن أن يُحمل على تجارب الكتابة لهذا الجيل أيضا سواء ذات الهيئة الواضحة كالنص والقصة والمقال أو التدوينات و (النوتس ) التي هي في بعضها أدب شكاية ونحيب. فنجعل حتى تفاصيل حياتنا التي نتعهدها بالكتابة مسطحة أو نكرر تجارب لا تمت لنا بصلة.

قد قيل من قديم: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها.
وقيل أيضا إن السفن تتحطم حين تكون قريبة من الشاطئ.. أما حين تبحر فحتى وإن بقي الغرق مهددها إلا أن ما تحطمه العاصفة في عرض البحر أقل مما يتحطم عند الشاطئ بما يكفي ليجعل الإبحار أكثر أمنا..

3 من نورهم:

حلم بيعافر said...

لكل جيل طريقة فى معالجة اموره
والدنيا بتتغير

3ashry said...
This comment has been removed by the author.
مروة said...

يبدو أن إشراق أكثر من مجرد اسم رواية، هو حالة مصاحبة لكلماتك. سلمت وسلم قلمك