قرطبة .. أنقرة .. التجمع الخامس

هي ثلاثة مواضيع في الحقيقة لا موضوع واحد. ثلاثة يستحق كل واحد فيها الإنفراد بالحديث لأنه ممتد ولأنه ثري ولأنه يستحق التوقف. وحين تجتمع في عنوان واحد فذلك لأنها اجتمعت معي في يوم واحد جميل، كنت أتمنى أن تتسع فيه مستقبلاتي لأجمع كل شيء يمر علي فيه.
إننا قد نلتقي الشخص أو نقرأ الكتاب لا نعيره إلا جزءا من إدراكنا ونكون بذلك قد وفينا له حقه ولم نظلم أنفسنا في جمع ما عنده. لأن هذا الجزء الذي منحناه إياه يكفي لذلك. وقد نلتقي الشخص كأننا نقف على ساحل بحر كبير، لا تحده عين ولا يجمع هواءه صدر ولا تعرف أي شاطئه هو مفتاحه. فوقوفك عليه وخوضك فيه والصيد منه كل ذلك ممتع مفيد.
ويوم الجمعة الرابع من إبريل كان يوما كالبحر، واسع سعته، ثري ثراءه، ممتع ولو بقيت على الشاطئ تنظر فقط. كانت رحلة نظمها "صالون قرطبة الثقافي" إلى مدرسة صلاح الدين الدولية التركية بالتجمع الخامس والتي تقوم عليها حركة فتح الله كولن وهي المدرسة التي تم بها للحركة ألف مدرسة في مائة دولة على مستوى العالم.
أولا : قرطبة
سمعت عن قرطبة في أكتوبر الذي مضى والتقيت بأول سفير قرطبي في نفس الشهر وقد كان سفيرا كافيا ليصنع صورة مبدئية عن مجتمع قرطبة الجديد. شباب يهتمون بتربية أنفسهم للوصول إلى نموذج إنساني مميز وفريد.
ولكلمة "إنساني" حضور كبير في "ملامح" الصالون وفي حوارات أفرداه. وهم يشرحون في "الملامح" أولا مفهوم الإنسان والانتماء إلى المدرسة الإنسانية ويفصلون بينه وبين ما يصحبه في العادة من اتهام بالانسلاخ من الهوية القومية أو الدينية. ثم يحددون هويتهم بأنها مصرية بما في المكان من تاريخ وثقافة، إسلامية حيث مثل الإسلام البناء الفكري النهائي للشخصية المصرية. وينتهون إلى أن منهجهم هو صياغة هذه الرؤى والتدريب عليها وتحويلها إلى برامج تربوية ثم نشر التجربة مساهمة في صياغة الوعي العام الإنساني.
من سنين قال لي صديق أردني، إنه ما دمت أنا وأنت نفكر في هذا الأمر بهذه الطريقة فلابد أن هناك غيرنا يفعل ذلك الآن. وهي نفس نظرية جبل الجليد. هذه هي العلامة الأولى التي يمكننا الفرح بها حين نلتقي بقرطبي. لأن بذورا كثيرة بذرت في هذا المجتمع منذ سنين كان لابد لها أن تثمر الآن. بعد سنين من العمل والتجربة والخطأ والخوض ومحاولة صياغة الرؤى وبناء المناهج التربوية والفكرية من بدايات القرن إلى الآن. مرورا بتجارب كبيرة في العالم الإسلامي من الهند إلى المغرب . وأنه مهما ظُن أن هذا الجيل ضحل الفكرة غير قادر على التفكير والصياغة والعمل فإن تجربة واحدة تكفي لتقول لكل الذي قضوا أعمارهم مربين، باذلين من أنفسهم الكثير لئلا ينحرف شراع الحياة : إن عملكم لم يضع وإن تأخر.
لا فرح يعدل الفرح بالأمل, حتى فرح الوصول لا يعدل فرح الأمل. لأنه الفرح الوحيد الممتد. يصبحك ما دمت في الطريق. أما فرح الوصول فهو قصير في الدنيا.
لا يمكنني بالطبع تقييم تجربة قرطبة ولا أريد ذلك الآن .. أريد فقط أن أبلل قدمي على شاطئها.
ثانيا : أنقرة
بالنسبة إليّ لا يكون حديثي عادة حياديا حين أتكلم عن ما هو تركي. ولذلك حكاية أحب أن أحكيها دائما. فقبل دخولي المدرسة كان عند أبي كتاب مصور اسمه "محمد الفاتح" .. قد جلده وكتب عليه بخط نسخ عنوانه. ولم أكن أعرف من القراءة إلا اسمي .. فكنت أجد اسمي "محمد" على الكتاب، فاعتبرت أنه كتابي. وبقي كذلك لا أرى من المكتبة إلا هو حتى بدأت أقرأ . فكان هذا أول كتاب قرأته وأنا في الصف الثالث الإعدادي. فكانت أول صورة تتكون لديّ لتركيا هي الصورة العثمانية في أيام قوتها وصفائها. ولم يقو شيء بعد ذلك على تغير هذه الصورة. لا النهاية التي آلت إليها ولا الصورة التي كانت لتركيا والمختصرة في مطاعم المشويات أو أفلامهم التي تعرض في سينمات الدرجة الثالثة .. أو ما صُدّر خلال أفلام ما بعد الثورة عن الشخصية التركية المتعجرفة التي ترى صفاء جنسها عن أجناس العالم ممثلة في العبارة الشهيرة "إنتي فلاخة خمارة"
ثم تفاجئنا تركية "العلمانية التي يحمي الجيش فيها هذه الهوية بكل ما أوتي من بسالة" والمتجهة باندفاع ناحية الإتحاد الأوربي بتجربة إسلامية أرغمتنا نتائجها على الوقوف والنظر والسؤال: في ظروف أسوأ بكثير من ظروف مجتمعنا كيف استطاعت هذه التجربة أن تصل إلى هذا المستوى؟
ولتتم النتيجة من هذا النظر لابد أولا أن يخلص من شيئين: الانبهار والمقارنة السطحية. لأنك لابد أن تصل إلى اختلاف الطبيعة المجتمعية في إحدى عناصر المقارنة، فنعلق عليها النتيجة كلها. وهي وإن مثلت الجزء الكبير في التجربة فإن أشياء كثيرة فيها تستحق الدراسة والتوقف.
تاريخيا يعود الأصل التربوي الذي بنيت عليه الحركات الفكرية الإسلامية في تركيا إلى الشيخ سعيد النورسي وتجربته الصوفية. والصوفية كلمة تعني أول ما تعني "التربية الكاملة" .. فحين يبنى الإنسان بناء كاملا يرى الله في كل شيء لا يهم بعد ذلك أن تنشئ أنت له نظاما تصاعديا يحكم سلوكه. لأنه وحده ومع من يرون نفس رؤيته سيشكلون تناغما حيا يشبه تناغم الكون كله.
وهو ما حدث في تجربة فتح الله كولن التي كنا بصدد الإطلاع عليها في رحلتنا إلى المدرسة.
ثالثا : التجمع الخامس
يمكن ولا نكون مخطئين أن نسمي التجمع الخامس بمدينة المدارس الأجنبية. فإعلاناتها وإعلانات الجامعات تملؤ كل ناصية وحي. كندية وأمريكية وألمانية وحتى إماراتية. كل تلك الأبنية لا تختلف في تجهيزيها ومستواها التعليمي وحتى التربوي. مدارس بنيت لصناعة إنسان جديد بعيدا عن صخب الحياة التنافسية المزدحمة لقاء أجور عالية تقوم وحدها بانتخاب الفئة التي يمكنها التواجد في هذا المكان.
وبالنظر المجرد فلا يمكن أن تكون كل هذه المشاريع الاستثمارية التي تحمل أسماء دول كبيرة مشاريع منزهة عن أغراض خاصة. حتى في المدرسة التركية التي زرناها.
لكن المميز في هذه المدرسة هو أن الهدف المعلن والذي تلمسه من سلوك الأساتذة والعملية التربوية أنه المشاركة في صناعة الإنسان الكامل الذي يرى الله مركز الكون كله وفق رؤية إسلامية تطمئن إليها
حتى ولو كان في الأمر تتريك وهو وإن لم يكن مقصودا إلا أنه سيحدث بالطبع مع رؤية العلم التركي وصحبة المدرسين. لكن دعونا نبتعد عن مصطلح التتريك ونستخدم مكانه التربية على الطريقة التركية.
رابعا : التجربة العربية
في ظل الاتجاه العام للمدارس الخاصة والمسارعة في التوسع فيها لأنها المشروع الاستثماري الأكثر إرباحا قد تغيب تجارب تربوية بنيت على مستويات عالية في الحرفية
أول هذه النماذج التي أحب عرضها لأنها تمسني بصورة خاصة هي المدارس التي أنشأها الدكتور توفيق الشاوي في العالم الإسلامي والتي أصبحت تحمل اسم مدارس المنارات وكانت تتبع مؤسسة الإيمان وهو الذي أنشأ الاتحاد العالمي للمدارس الإسلامية. والحديث هنا مليء بالتفاصيل المميزة والتي يسعدني أن أحكيها لكنها ستطيل الكلام.
في مدينة بنها مثلا جمعية البشاير والتي تعمل من عشر سنين ولهم صالون ثقافي شهري أيضا ويقوم عليها أستاذ فاضل بالغ الخصوصية في التفكير والرؤية تنشئ الآن مدارس البشاير في القناطر .
في أكثر مدن مصر تجارب لمدارس تربوية وإن كانت مقيدة بإدارة التعليم الخص ومكبلة بالمؤسسة الأمنية إلا أنها تقدم نماذج وإن كانت أقل جودة من نماذج المدارس التي تحدثنا عنها إلا أنها على الأقل تملك المفردات التي يمكن بها الوصول بسهولة.
ما أريد أن أنتهي إليه أن لدينا تجاربنا أيضا التي ينبغي علينا أن ننظر إليها وأن نقيمها ، وهي كبيرة بما يسمح بذلك.
نهاية :
شكرا للقراطبة على هذا اليوم الجميل .
شكرا ليامن ولرانيا وهناء ومها وطلبة وسلمى طلبة طبعا ومحمود وعماد وشيرين ونهى ولصالح وفاتح ورسول .. وللذين لم أستطع تذكر أسمائهم ..
هوامش
توفيق الشاوي
فتح الله كولن
قرطبة
مدرسة صلاح الدين








2 من نورهم:
بدايه يا محمد لابد فعلا ان تشكر كل الظروف التى تجعلك تتعرف على اشخاص من بيئات مختلفه عنك
فالاستفاده من المحاكاه المباشره لا تقدر بثمن
بالنسبه لقرطبه لا اعلم الكثير عنها حقيقه
اما تركيا فاهتمامى بها وبالقسطنطينيه تحديدا بدأمن بدايه العام الماضى بقراءه اورهان باموك كاتبها الذى حصل على نوبل
والسبب فى محبتى لكل ما هو تركى بجانب فى افلام وثائقيه ممتازه على الmbc وقناه الجزيره الوثائقيه هتعجبك جدا لمعالم تركيا
اما المدارس الاسلاميه ورسالتها
فلم اقترب من خريجها سوى بابن اختى الصغير وصراحه لا اجدها تبذل المجهود المنشود منها لتعاليم السلام فقط
منهاهج ربما مدارس المنار شئ اخر اتمنى ان يعمم
دمت بخير
7smt.com/vb
Post a Comment