Jul 25, 2010

حكي الذهب

حكي الذهب



محله في السكة القديمة عند جامع السنجق. على ناصية الجادة التي تنتهي في شارع البحر. للمحل واجهتان من خشب بني داكن وزجاج منقوش يخفي ما خلفه إلا تلألأ ضوء أصفر على خلفيات حمراء وزرقاء تظهر في الزجاج المنقوش متماوجة كغسق السماء.. وقاعدة من رخام سكري يحمل الخشب والزجاج وينعكس على بلاط الرصيف المجلو أمامه.

طيلة أربعين سنة ومحل "سعد الصائغ" هو أشهر مكان ينتهي إليه من عجز عن إيجاد شيء يحبه. يأتيه الناس بعد أن ينتهوا من فحص كل محلات الصاغة المجاورة له وفي السكة الجديدة وشارع بنك مصر. كان الناس يتناقلون بينهم "إن ضالتك لابد أن تجدها عند سعد الصائغ". ومع ذلك كان من يصل إليه قليل جدا، فكل المحلات حوله حافلة بما في السوق من تصاميم حديثة توافق أكثر الأذواق. وأكثر الناس يختار مما هو متاح في العادة، يتفحصون المعروض ويفاضلون بينه. وهم على الدوام مضطرون للشراء إما في خطبة أو في مناسبة مما تعارف الناس على الذهب هدية فيها، حتى حين لا يكون المتاح مرضيا بالقدر الكافي فإنهم يقاربون مذكرين أنفسهم أن "الذهب قيمته فيه".

ومما كان يجعل طارقي المحل قليلين أيضا أن سعدا لم يكن ليضع أيا من القطع التي يبيعها على واجهة المحل. كان يقول "إن الحلي لا تعرض كالأقمشة والخضراوات جلبا للزبائن. الحلي كالعطر امتداد لشخصية صاحبه؛ والشخصيات لا تُعرض يراها كل من مرّ في كل وقت، إنما لمن يعرف قيمتها ويبحث عنها".

حين تدخل إلى محل سعد تجد لوحة مكتوبة بالثلث فيها: "والذهب يا بني كالنساء، أغلاهن أخفاهن عنك، التي تبذل كل جهدك للوصول إليها. والذهب يا بني كالنساء، يحي جمال صاحبه، ويحيا جميلا في يد صاحبه. وإن أعظم قطع الذهب التي هنا تتضاعف قيمتها في يد صاحبتها الذي صيغت لأجلها، وإن يدا خالية مهما كانت عالية القيمة، تجف سريعا حتى يرويها هذا الذهب".

رغم أن محلات سعد اليوم سلسلة كبيرة، فروعها في أكبر أسواق المنصورة إلا أن هذا المحل بهيئته تلك لم يتغير. يفتحه سعد في العاشرة صباح كل يوم ويبقى فيه يلقي تعليماته لصبيانه في المحل وفي الورشة التي كان يمارس فيها صياغة ذهبه ويعلم الآن فيها صغار الصاغة أسرار حكي الذهب.

"زوّج هذه القطعة بالياقوت فهو أفضل لها"
"وهذه يناسبها الذهب الأبيض في حرف الصاد هناك"
" من فعل هذه القطعة هنا، أنت !! لابد أنك عاشق يا فتى، إن الجواهري الحاذق يعرف النساء كما يعرف الذهب لا يفوته منهن شيء"

سعد الذي يبلغ من العمر خمسا وستين سنة لا تزال ترى رقة أصابعه وترسبات الذهب على أظافره وأثر العدسة باديا أسفل عينه. يؤمن أن قطع الذهب هي التي تنادي أصحابها، وأن وظيفة الجواهري الناجح أن يحسن الاستماع لندائها وينقله إلى الزبائن فيعلم الطالب أين قطعته التي تناديه.

لسعد حكاية أصبحت أسطورة الصاغة، تسمعها بأكثر من رواية في أماكن كثيرة في كل مدن المحافظة. لكن أكثر هذه الروايات شهرة وغرابة هي أنه وهو صبي يعمل في محل كبير للذهب في شارع بنك مصر وكان أكبر شوارع المنصورة شاهد فتاة مع صاحبتها تتفقد القطع المعروضة في زجاج المحل دقائق ثم دخلت لتخرج دون أن يستوقفها شيء. تبعها سعد حتى عرف أين تسكن وبعد أيام كان قد أعد خاتما وسوارا، ذهب به إلي بيتها.

كانت فاطمة كما يحكي الحي فتاة غريبة لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب. ترد الخطاب أيا كانوا، ولم يكن أحد يقتنع بأسباب رفضها لهم، إلا أنهم يردون ذلك إلى مس بها منذ أن تاهت من أمها في أحد الموالد وهي طفلة، وأن هذا الجني الذي يعيش معها يجعلها تأتي هذه الأفعال الغريبة. تسهر إلى الفجر تراقب أوراق الشجر المبعثرة على الأرض وتقضي النهار في رسم هذه الأوراق كما رأيتها، تفعل ذلك كل ليلة وترتب اللوحات بتتابع الأيام. وحين رأت فاطمة الخاتم والسوار قبلت سعدا ولم يمانع أحد من أهلها على فقره وحاجته لأنهم كانوا قد اقتنعوا أن أحدا لن يقرب فتاة بها مس من الجن.

ومنذ ذلك الحين وتصاميم سعد تزداد حياة حتى أصبحت أكثر العبارات التي يسمعها من زبائنه: "تكاد تنطق" ولم تكن عبارة في الدنيا أكثر إسعادا له من هذه العبارة.

يقال إن روح الجنية هي التي توحي لسعد بهذه التصميمات كما كانت توحي لفاطمة برسم أوراق الشجر المتناثرة على الأرض. لكنه حين كان يسأل عن ذلك يجيب بعبارته الوحيدة: " إن الجواهري الحاذق يعرف النساء كما يعرف الذهب لا يفوته منهن شيء" .


7 من نورهم:

فريدة... said...

ومنذ ذلك الحين وتصاميم سعد تزداد حياة

جميل العمل ومسلسل وممتع وله اكثر من وجه مع تكثيفة الجيد
فعلا
الكاتب الحاذق يعرف هو الآخر
تحياتي

العين الجارية said...

والذهب يا بني كالنساء، أغلاهن أخفاهن عنك، التي تبذل كل جهدك للوصول إليها. والذهب يا بني كالنساء، يحي جمال صاحبه، ويحيا جميلا في يد صاحبه.
.
.
.
و كذلك الذهب فى هذا النص أحيا جمال السرد كما يحى جمال يد صاحبته

رائعة...و من أجمل ما قرأت

سمر الجيار said...

أحببت قصتك ..
قريبة من الواقع لكن بها مس من الفانتازيا ..
مصرية جدا ،أحب الكتابات التي تشبه القصص الشعبي ..

اقصوصه said...

رمضان كريم

وكل عام وانتم بخير :)

Zianour said...

ازيك يا حكيم

فين عنوان الراجل ده؟؟

اوعى تقول انه من بنات افكارك وكده

جميل انك تفكرنا انه لسه فيه حد يتأمل ويخرج خلاصة تجربته الانسانية ولو بسيطة

الناس دي لسه موجودة؟؟؟
طب شفت محلات الدهب الصيني ؟؟ في السكة برضه

انا عندي كل الاخبار يا فندم

كل سنة وانت بالف خير
:)

Borsa said...

بلاك بيري
البلاك بيري
يوتيوب
يوتوب
اخبار مصر
اخبار الرياضة
العاب بنات
اسعار الذهب
الذهب
فودافون
فودا فون
Internet Marketing Strategies

احمد said...

7smt.com/vb