أيدها باردة فيها رجفة خفيفة، أحسها وأنا أحيط معصمها بكفي وأبتسم لها: "ازيك" فلا تجيب.
أعد نبضها بأطراف أصابعي وأسألها إن كانت قد أجرت جراحات سابقة، أو تخضع لعلاجات أو حجزت في أي مستشفى من قبل، فتهز رأسها بالنفي.
وجهها الصغير الشاحب رقيق هادئ، لولا القلق المرسوم على جبينها وفي ارتجاف جفونها، وعلى طرف شفتيها. اسمها في "التذكرة" بسمة، وسنها المدون فيها "عشرون سنة".
تجلس بسمة على طاولة الجراحة، أمامها كرسي تضع عليه قدمها، يداها ممدودتان على ركبتيها، ورأسها محني على صدرها. أقف خلف ظهرها المكشوف، فتلتفت قلقة.
أطمئنها أنها لن شعر بشيء ولا حتى شك الإبرة. فتعود لجلستها السابقة. لو رأت الإبرة لما صدقتني. إبرة طويلة لها رأس أسود. كأنها إبرة منجد.
إصبعي الوسطى تستقر على عظم الحوض الناتئ في جنبها، وإبهامي يتحسس نتوءات الفقرات الموازية له، يرتاح بين فقرتين، ويتأكد من موضعه، فتناولني الممرضة القريبة حقنة صغيرة أخدر بها الجلد، أصرف انتباهها قبل أن أحقن الإبرة بسؤالها: "انت منين يا بسمة؟". قبل أن تكون عبارتها "من المنصو... " قد اكتملت، تكون الحقنة عادت إلى الممرضة، وناولتني الإبرة الطويلة.
يتثبت إبهامي من الموضع، والإبرة تسلك طريقها بين الأنسجة. أشعر بمقاومتها تزداد قليلا، ثم تزول مرة واحدة. أتركها وأنا أرقب السائل المندفع نقطة نقطة.
سائل صاف يسبح فيه الدماغ والحبل الشوكي، أصابعي مفرودة كمروحة، باطن كفي على ظهرها والإبهام والسبابة يمسكان رأس الإبرة الأسود، ويدي الأخرى تحقن المخدر برفق.
أسحب الإبرة سريعا، فتساعدها ممرضتان في النوم، وأنشغل أنا بفرد ذراعيها وتثبيت زجاجة المحلول المعلق بأحدهما، ومجس النبض ومقياس الضغط بالأخرى.
تدمع عينيها وهي تقول، "رجلي منملة .. مش حاسة برجلي يا دكتور"
أبتسم لها : "عز الطلب" ...
تنتهي الممرضات من تغطية ساقيها وصدرها، فتبدأ الممرضة المعقمة في تعقيم جلد بطنها المشدود، يتحول الجلد الأبيض إلى لون اليود البني، قبل أن يغيب تحت الفرش الأخضر. لا يظهر منه إلا حزام صغير، تمسح عنه "البيتادين" فيعود يلمع تحت المصباح المضاء، جلدا أبيضَ تشع منه الحياة.
أنظر للآلات المصفوفة على الطاولة، وإلى حزام الجلد المكشوف .. سيمسك هذا الماسِكُ الغليظ هذا الجلد الرقيق، أنشغل بالنظر إلى الشاشة التي تقيس ضغطها ونبضها، والجراح يسألني: "ابدأ يا باشا؟" ، بيده الماسِكُ الغليظ يختبر به إحساسها، لا يبدو على وجهها إلا علامات القلق التي خفت قليلا.
"اتفضل"
عينيها بنيتان عميقتان، وجبينها عريض ناصع، وشعرها الذي انزاح عنه غطاء الرأس الأزرق، بني فيه لمعة خفيفة، تغمض عينيها وشفتيها تتمتم بأدعية هامسة.
صوت الجراح يوجه ممرضته .. "أُوْفِّي دا .. امسكي دا كويِّس .. فوطة .. أهو .. زقي كويس .. زق معانا يا دكتور محمد ..
أدخل يدي تحت الغطاء المعقم وأدفع .. تشعر هي بكل قوتنا الجاثمة على صدرها، تأوهٌ خفيف يغيب خلف صوت الجراح العالي، وهو يحاول إخراج رأس الطفل الصغير..
أخيرا .. تخرج رأسه، فأرفع يدي وأعود أنظر للشاشة ولوجها الذي شحب، وشفتيها اللتين تتمتمان .. أجهّز الأدوية، وأحقنها في زجاجة المحلول، وصوت بكاء الطفل يزداد حدة، كأنه يبكي على كل ما تعانيه أمه. لم تر هي ما يفعله الجراح بأدواته، لكنه هو قد رأى كل شيء، رآه يمسك الرحم بباطن كفيه ويضغطه، رآه يتحرك بيده بسرعة، يجفف الدم، ويخيط الجرح، يسحب الخيط بقوة فتعلو يده، تمسك الممرضة طرف الخيط، ويساعده الماسك الغليظ بيده الأخرى.
وجهها الذي انزاح عنه القلق الآن أرقُّ، صوتها الواهن أسمعه وهي تسأل: "هو كويس يا دكتور"
"بنت زي القمر، هتسميها ايه"
"رحمة"
أراقب أم محمود وهي تمسح جسد الطفلة وتلفه. أم محمود أحرص من أم الطفل على أن يكون المولود ولدا، لأن "حلاوتها" حين تخرج به إلى أبيه تكون أكبر ..
ينتهي الجراح من إغلاق الجرح الذي لا يظهر سوى خط دقيق، تمرر عليه الممرضة قطنة مصبوغة قبل أن يغطيه بغطاء صغير ..
"ألف شكر يا دكتور محمد"
أرد: "تسلم إيدك يا باشا" ..
أعيد غطاء رأسها المفكوك، وأجمع مجس النبض ومقياس الضغط وأنا أقول لها: "حمد لله على السلامة"
"الله يسلمك" ..
وأسمع صوت أم محمود عند الباب قبل أن تخرج : "عاوزين نجوزك بقى يا دكتور محمد"








1 من نورهم:
7smt.com/vb
Post a Comment