العربية سليمة .. بس كل حاجة فيها لوحدها
لا يحزنني كثيرا أداء الإعلام هذه الأيام أيا كان توجهه ورؤيته وانتماؤه، ليس إيمانا مني بحرية القول والتعبير، بقدر ما هو تسليم بما لن يتغير مهما تغيرت الأيام والأحوال والناس. ولهذا التسليم شواهده التي تجعله يقينا ثابتا بالنسبة إليّ، منذ كان النحات الفرعوني يكتب ما يمليه عليه سيده صادقا أو كاذبا، يحكي شرفه وفضله وانتصاراته، إلى أن مدح الشاعر العربي حاكمه أو قومه بكل صفة سماوية، وهجا أعداءه أو أعداءهم بكل دنية أرضية، ثم إلى كتب التاريخ على امتداد العالم، وما فيها من روايات متعارضة في كل حدث أيا كان.
ولأن التشابه بين الناس قائم حد التناسخ، في الغايات والغرائز والحسنات والعيوب، فمثل هذا الأداء سيظل لازمة البشر ما امتد بهم الزمان، ولن يتغير لا اليوم ولا غدا ، لا عندنا ولا عند غيرنا ، إلا أن تكون في الدنيا مدينة الفلاسفة الفاضلة، ولن تكون !
ما يحزنني هو تلقينا نحن لمثل هذا الأداء، وتعاملنا معه.
وأقصد بـ "نحن" هنا فئة محدودة ضيقة، هي تلك التي تتقاطع معي في نطاق المشاركة في الآراء، على صفحة "فيس بوك". وهذه الفئة لها ملامح لعل أبرزها أنها تستطيع بلا جهد كبير، أن تستقصي أصل خبر من الأخبار، ثم هي تستطيع بلا جهد أيضا أن تجمع سلسلة الأخبار لتكون صورة كاملة.
ونحن نعلم أنه لا الصورة تصنع بالخبر الواحد المقطوع ولو كان صحيحا، كما أن الفتوى في الفقه لا تبنى على الحديث الواحد ولو كان صحيحا قوي السند، إذ لابد لكليهما من الجمع إلى نسيج الأخبار، أو الأحاديث، ثم الخضوع لقواعد البناء، وفق ما تفرضه هندسة كل بناء، ليخرج قويا، ذا نفع للناس.
ومن ملامح هذه الفئة أيضا أنها قادرة، إن أرادت على استعمال قواعد هندسة البناء تلك، فلا تتعامل مع الأخبار تعامل العامة في السوق حين يتداعون لشجار على موضع عربة سمك.
لكن ما يحدث هو عكس ذلك، فلا المتاح من سعة العالم، وسهولة المعرفة قدم لنا شيئا في تعاملنا مع الأخبار، ولا نحن أجهدنا أنفسنا، لتسكت قليلا، فتعي ما يحدث.
نعلق الخبر ونمهره بعبارة " آدا اللي كان ناااقص" و "جبتش حاجة من عندي" .. "وأهو .. علشان محدش يقول إني متجني على حد !!" لنبدأ سلسلة اجتزاء خبر أيا ما كان، تافها أو ذا قيمة ونكرره كوحدات الزخرفة لنصنع به لوحاتنا الخاصة، مبدين حماس أطفال صغار، إن تصافوا في الفسحة تشاجروا في الانصراف، ولا أحد يعلم فيم تصافوا وفيم تشاجروا !
في الجدار القوي أحجار صغيرة وكبيرة، مسننة ومصقولة، ولكل منها نفع في مكانها، فالصغيرة في الزاوية لا يقوم مقامها كبيرة من الوسط. والمسننة الجارحة، تفقد جَرحها، حين تتسق مع مثيلاتها في جدار.
لا أريد أن اضرب أمثلة تحول الحديث إلى نقاش فارغ في قضية بعينها، وتصرف النظر عن منهج واحد يؤلمني وهو يتكرر بتشابه مخيف منذ شهور.
إذا كنا نعول على بناء حياتنا بالمعرفة، وبالعلم، ثم نفرط في استعمال كليهما كأننا ما تعلمنا ولا قرأنا، فكيف نأمن على حياتنا غدا !
إذا لم نستطع أن نخرج كل ما قرأناه، كيانا واحدا متسقا مع ذواتنا، فكيف نأمن على حياتنا غدا !
إذا لم نستطع أن نقارب سلوكنا إلى أحاديثنا، فكيف نأمن على حياتنا غدا !
إذا كان من يقدرون على ذلك، لأن لديهم آلاته، لا يقومون به، فكيف نأمن على حياتنا غدا !
إذا كنا نسير مع كل ما يقال كأوراق الشجر في الريح، نشرق حين تشرق ونغرب حين تغرب، فكيف نأمن على حياتنا غدا !
إذا لم تهذبنا كل رحلة الحضارة التي قطعتها الإنسانية خلال قرون طويلة، وتعاملنا فيما حولنا بغرائزنا المجردة، كان لم يكن في الأرض قبلنا تاريخ، فكيف نأمن على حياتنا غدنا.
لبعض الإعلام أن يهرتل كما يريد، فهي صناعته القديمة، ولا أعتبها عليه. لكن على الجادين في بناء الحياة أن يكونوا على قدرها .
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ... ثم لا يكونوا أمثالكم !!








1 من نورهم:
7smt.com/vb
Post a Comment