الأسد نائما
قال كليلة: واضرب لي يا دمنة مثل الذين كانوا يدا فصاروا أيدي، وكانوا رأيا فصاروا آراء إلى أي شيء انتهوا بعد ذلك.
قال دمنة: زعموا أن أسدا كان ينام بباب غزلان نزلت موضعا من الأرض تريد أن تبني فيها مملكتها الجديدة، وكانوا يخشونه، وهو ساكت عنهم. فقالت طائفة منهم: إنه إن سكت عنا اليوم فإنما سكت حيلة، وسينقلب علينا في يوم قريب، فليست عادة الأسود إلا الفتك.
وقالت طائفة أخرى: بل هو يخيف أعداءنا من الغرباء فلا يقربوننا، ثم هو لا يؤذينا، ونحن لازلنا نبني مملكتنا، وليس لنا سفراء ولا خفراء، فلو تركناه يحرسنا، وانشغلنا بتقوية دفاعنا، كان أجدى لنا وأقوم، وإن كان قد سكت حيلة، فنحن لن نعدم معه الحيلة.
وبدأت الغزلان ترتب حياتها، وترسم حدودها، تقيم الخدمة على منابع الماء، وعلى المراعي، مجتهدة في أن تكتمل عدتها سريعا، حتى تفوت الفرصة على حيلة الأسد النائم.
وكان في الغابة ثعلب عجوز، لم تعد به طاقة على المطاردة والاصطياد، والبحث عن طعامه وليس له من يخدمه، فقال لهم: إنكم إن بنيتم ما بنيتم، وأمّنتم ما أمنتم، جاء الأسد فمد ذراعه الغشيم، فضربه بيده، فانهار، فلو جمعتم يدكم أولا لتخرجوه، ثم تبنوا بناءكم آمنين مطمئنين لكان خيرا لكم.
فتفجر الخوف في نفوس الغزلان التي كانت خائفة من جديد، وتداولوا أمرهم بينهم منفردين.
قالوا: قد صدقنا الثعلب، وهو ناصح ولا مصلحة له. وإن هؤلاء الذين يبنون من قومنا، غافلين عما سيحدث لهم، ونحن نحميهم ونحمي بناءهم.
وقالت غزالة أخرى: إننا لا نملك إلا عصا واحدة، فلو ضربنا بها الأسد، وقتلناه استرحنا منه، وهو نائم، فلن يرانا، وما هي إلا ضربة قوية تقتله.
قالت غزالة صغيرة: فماذا لو لم تقتله العصا، وصحا. إنه لا يصحو حينها إلا ثائرا، وسواء كان سكوته حيلة أو أدبا، فإن غضبه لن يكون إلا فتكا، فالأسود غضبها ومزاحها قاتل بطبعه، وسنكون قد فتحنا بابا لا نستطيع أن نغلقه.
لم ترض الغزالة الصغيرة عما يحدث فوشت بهم لبقية قومها، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، بل امتد الحديث إلى أن "منكم من يشارك الأسد حيلته ليؤمن نفسه، ونحن لن نخاطر بمستقبل الغزلان، لأجل منافقين منا يداهنون عدونا".
وأصبح الغزلان وفي نفوسهم من نفوسهم ريبة وشك، وشاع بينهم حديث الثعلب، فرد المتهمون بالتحايل مع الأسد، باتهام إخوانهم بالتحايل مع الثعلب، كل ذلك والأسد نائما على بابهم.
ثم حدث أن تجمعت طائفة من الغزلان، وعهدت بالعصا لأقواها، ورسموا الخطة لضرب الأسد مفاجأة فينتهي أمره، وتنقطع الفتنة، وتصفو النفوس حين يعلم أهلهم صفاء نيتهم وإخلاصهم، ويروا ما سيعود على الملكة من أمن ورخاء.
ولما اقتربت الغزالة من الأسد، كان الثعلب قد أسر إلى بعوضة يعرفها أن تدخل في أذن الأسد فتزعجه حتى يستيقظ.
صحا والمسكين يرفع العصا ليضربه، فرآه. فمد يده الغاشمة تنشب أظفارها في جسده. فتنادت الغزلان أنقذوه، فانقسموا فئة تقول قد خالف أمرنا، فليس علينا حمايته، وفئة تقول لو لم ننقذه، انتهى أمرنا واستدار الأسد إلينا.
وقد كان يا دمنة أن البعوضة لم تخرج من أذن الأسد، فظل قلقا، مهتاجا لا يستكين، يضرب بيده فيمن حوله من الغزلان، والثعب العجوز يرقب من تجرح منهن فيجهز عليها، وتكون طعامه دون جهد.
فانظر كيف يكون الفوز للذكاء والحيلة، ولا يكون للقوة، أو لصفاء النية .








1 من نورهم:
7smt.com/vb
Post a Comment