Nov 12, 2011

اختراع


اختراع

- عاوز أوريك حاجة يا مِس؟

- بعد الحصة.

- حاضر.

قالها بهدوء، وعاد إلى مكانه، والتفتُّ أنا أكتب عناوين الدرس على السبورة تاركة أصواتهم تخفت شيئا فشيئا كأصوات كرات الزجاج على أرض صلبة. تلمس أذني طرق الكتب والأقلام على الطاولات، وهمس المواعيد، وتهديدات المعارك.

- اسكت بقى .. المس هتزعق .. شكلها مضايق النهاردة.

- تلاقي جوزها مزعلها.

- مش متجوزة.

- يبقى علشان كدة ..

عنوان الدرس عن خواص الضوء، سأفاجئهم بصورة شمعة مقلوبة على الجدار، تأكدت أنها تظهر قبل الحصة، وضعت الشمعة في صندوق به ثقب صغير، وأطفأت النور، جاءت صورتها واضحة من أول مرة. لم أحضر قرص الألوان معي، محرِّكُه معطل ولا يدور بالسرعة التي تكفي لتجعل الألوان تتحول إلى الأبيض، سأحاول أن أصلحه وأحضره في مرة أخرى.

أدرت وجهي إليهم، وقد سكن كل شيء. تتطلع عيونهم الصغيرة إلي، وأنا أدير النظر في وجوههم. لم يتغيب منهم أحد، "سعد وحمزة" لم يخرجا الكتاب، "هديل" تركت خصلات شعرها على جبينها مع أنني نبهتها أن ترفعها في الحصة الماضية، وسندس ستنام بعد خمس دقائق.

بدأت الشرح، وأنا أتابع "عليّ". كان قلقا لا يبدو عليه الانتباه. يضع يديه في درج الطاولة أكثر الوقت ثابتتان لا تتحركان.

لم يشارك بتعليقاته التي تخرج بتلقائية دائما على كل شيء يحدث في الحصة. أمنعه من الكلام بغير إذن، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي الإعجاب بسرعة بديهته.

جاءت التجربة، فأطفأت النور، وأشعلت الشمعة.

كالعادة لم يظهر شيء على الجدار. تخذلني هذه التجارب دائما أمام الطلبة، وحين كنت طالبة كانت تخذل المدرسين أيضا.

حركت الشمعة أُقرَبها من الثقب، فلم تظهر، كان الضوء يقع على الجدار دائرة واسعة .. قربتها أكثر وأكثر حتى ظهرت مقلوبة ..

صفقوا جميعا، وصفروا ، ومدّت عبير الجالسة عند الجدار يدها تمسك الشمعة المقلوبة.

صوت وليد يحذرها:

- حاسبي .. هتحرق إيدك ..

ضحكوا .. وأضأت نور الفصل.

لم يبدو على عليّ أنه انتبه لما حدث، بقيت يديه معلقتين بالدُّرج وهو على وجومه الأول.

بعد الحصة، انتظرت ولم أنصرف بسرعة .. جاء، وبيده مجموعة من أسلاك نحاس متشابكة، وضعها أمامي على وجلٍ، كان قد شكّلها على هيئة سيارة صغيرة.

سألته: ايه دا يا علي؟

- عربية .. أنا عملتها .. بتمشي ببطارية الموبايل .. شوفي ..

أخرج من كيس معه عجلات صغيرة ركبها، وبطارية وسلكين، وصلهما بالسيارة.

لم تتحرك السيارة.

عاد يغير موضع السلكين، ويجرب من جديد. فلم تتحرك أيضا.

زمِّ شفتيه، وقطب جبينه الصغير ..

- كانت شغالة !!

حاولت ألا أبتسم وأنا ألحظ توتره، وإصراره الذي كنت أعاني منهما قبل قليل.

احمرّ وجهه، وهو يعيد مراجعة الأسلاك مرة ثانية.

لا شيء ..

تنهد، وعض بأسنانه شفته العليا، قبل أن يهتف: لحظة ..

بحماس أخرج هاتفه من جيبه، رفع غطاءه، ونزع بطاريته، ثم وصلها مكان البطارية الأولى، فأزّ محرك السيارة، وانطلقت.

- أهي .. اشتغلت يا مس.. كانت فاضية ومخدتش بالي ..

كان قصيرا، وكنت واقفة، فألقى رأسه إلى الخلف، ينظر إلى وجهي ليرى كيف تلقيت عمله .. عينيه فرحتين .. جوهرتين في سماء صافة .. بسطت وجهي، فانبسط وجهه، ابتسمت فابتسم .. ضحكت فرنت ضحكته تملأ روحي ..

- شاطر يا علي.

Nov 9, 2011

هوس البرلمان


هوس البرلمان

حين يدور الحديث بيننا نحن الأطباء عن سبب اختيارنا لما نحن فيه، يظل الكلام يتقلب في أماكن كثيرة لا مستقر لها. فبين من يعرف في الحقيقة أسبابا ومن وفق أوضاعه وصنع أسبابا تبقيه على قيد الحياة، ومن لم يفعل هذا ولا ذلك فهو قلق لا يسكن، يصبح من العسير الوصول إلى جملة واحدة محكمة تعبر عن هذا العالم الواسع، وأهم من ذلك يصبح من العسير الوصول لحلٍّ لمشاكله التي تظهر متتابعة كثقوب في برميل عجوز متهالك.

المشكلة هنا في الحقيقة معرفية قبل أي شيء آخر، وعلاجها لا يكون إلا معرفيا قبل أي إجراء آخر أيضا، لكن النقطة التي تبرز أثناء ذلك هي أن هذه المشاكل المركبة، قد بلغ بعضها حد الخطر الذي يُعَدُّ معها الانتظار لتظهر نتائج العلاج المعرفي سيرا إلى هاوية محققة، ما يجعل علاج العرض بأهمية علاج المرض.

* * *

إزاء نظام التعليم الذي ابتلي به أكثرنا، كان الناس على ثلاثة أنواع، فريق احترف "جمع الدرجات" ولم يهتم بغير ذلك، إما لقصور طاقته، أو لأنه اعتبر نفسه " يعرف من أين تؤكل الكتف"، وفريق كانت له قدرات عقلية راقية، لكنه لعوب، لا يبذل جهدا، إما كسلا، أو لضعف أدواته على التكيف مع بيئة يرفض عقله قبول عبث كثير مما فيها، وهؤلاء برع أكثرهم حين وضعوا في بيئات مغايرة، توافق طباعهم. وفريق كان وسطا بينهما، جمع آليات "جمع الدرجات"، إلى صفاء العقل، وصحة الفهم، فنجح هنا وبرع هناك.

تفرض إذا بعض البيئات، أو بعض الأوقات على الناس ظروفا، تجعل أداءهم يشبه الأداء العام في ظاهره لا امتياز فيه، لكنها تحتفظ لهم بسر النجاح الذي هو عدم خلط الغايات بالوسائل، واستعمال كل شيء بما هو له وبما يفيد.

* * *

الآن أجد تشابها كبيرا بين ما نحن مقدمون عليه، وبين سلوك الأهالي والطلبة إذا اقتربت امتحانات الثانوية العامة. ففي نظام حوّل كل شيء إلى آلة تدور لا وقت فيها للتفكير، ولا للنظر إلى النفس، يتحول الجميع دون وعي إلى سيور وتروس تدور خوفا من أو تتوقف فتتحطم نحو هدف واحدة فقط هو "جمع أكثر النقاط" حتى تصبح كل الخيارات متاحة يُتحرك فيها بحرية.

لا ينتبه أحد أنه وخلال هذا الدوران، تكون النفس قد بدأت تُغيِّر بالفعل معاني الأشياء فيها، فتضع "الغايات" موضع "الوسائل" .. حتى إذا توقفت وكان قرار كل شيء في غير موضعه، وبدأت تظهر المشاكل والعيوب، داروا من جديد يحلون جزءا جزءا، وكلها فروع والأصل غائب لا يراه أحد.

مجلس الشعب لا ينشئ مجتمعا قويا، لكن المجتمع القوي يفرز مجلسا قويا. قد تكون العلاقة في الحقيقة تبادلية تسير في طرفين، لكن الخطوة الأولى هي من المجتمع إلى المجلس وليس العكس، تماما كما يحدث في بورصة الأوراق المالية، ما لم تكن تدعمها أسواق حقيقية قوية، تصبح البورصة صالة قمار واسعة.

لقد انتهينا اليوم إلى حال تحتم علينا ضرورة الانتهاء من كل هذه الأشياء بسرعة حتى تبدأ الحياة دورتها؛ المجلس والدستور، واختيار الرئيس، تماما كما تم في وعي مجتمعنا خلال عقود طويلة تعليق "مستقبل" الفرد بأدائه في امتحانات الثانوية العامة، وبقدرته على أن "يجمع" أكثر ما يطيق، وهو ما ينقصه الكثير ليصبح قولا صحيحا في موضع صحيح.

وأمام هذا التعليق، دارت كل المحركات، حتى علا صوتها فغطى كل شيء سواها. وسيعلو أكثر وأكثر، وخلال ذلك وجب علينا جميعا أن تنفر من كل فرقة طائفة، تتعلم ما حولها، دون أن تدور دوران الجميع، وتبدأ هي علاج المرض في نفس اللحظة التي بدأنا فيها علاج العرض، وإلا كنا كمن ثقب "خراجا" أقلقه ألمه، فلما خرج منه بعض الصديد، زال الألم فنسي أن الالتهاب باق، و"الخراج" مزمن.

أخشى أن يتحول هوس "البرلمان" إلى هوس "كليات القمة" .. فيصبح الطموح السياسي غاية لها "مبررات نظرية منطقية" وليس لها في نفس "الساعي المهووس بها" ما يؤهله لحمل تبعاتها .. فننتهي إلى التكدس الذي يشل حركة الجميع "أهلها الحقيقيين والمهوسون بها".

أخيرا: ليخطو كل من خطا عشر خطوات إلى البرلمان خطوةً واحدة إلى الحياة السوية، فعمر البرلمان خمس سنوات والحياة طويلة، وهو وسيلة والحياة السوية غاية، والعين لا تعلو على الحاجب.